* القسم (1، 2 ، 3 )*

حسن المقصد

في فضائل وأحكام الحجر الأسود

 

 

 

تأليف

الشيخ محمود عامر عمري

صندلــــــة

 

ذو القعدة 1417 هـ

آذار 1997 م

 

  

القسم ( 1 ) ، ( 2 ) ، ( 3 )

*****************

بسم الله الرحمن الرحيم

 الإهداء

* إلى الحبيب الأعظم ، درّة الوجود ، وأكرم عابد للمعبود ، خاتم المرسلين الكرام ، سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام .

* إلى والديّ " ربّ ارحمهما كما ربياني صغيرا " .

* إلى كلّ العلماء العاملين أصحاب الفضل والإرشاد

* إلى المؤمنين الصادقين ، الذين تهفو قلوبهم إلى بيت الله الحرام

وفاء لذكرى المربي الفاضل سيدي الشيخ محمد هاشم البغدادي الكيلاني . تغمده الله برحمة ورضوان ، وكل الأحبة في الله ، الداعين بظهر الغيب لهم كل المحبة والسلام .

المقدمة

الحمد لله الذي رفع السماوات بغير عمد ، وجعل فوقها بيتا معمورا ، وبسط الأرض ، وجعل فيها بيتا مزورا ، وجعل ثواب المؤمنين جنّة وخص من حجه مبرورا . والصلاة والسلام على درّة الكونين ، من جعل الله ولادته بمكة في جوار بيته المحرم ، وأرسله للعالمين رحمة ونورا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، خير من سكب العبرات عند تقبيله الحجر الأسود وأرشد من أراد أن يذّكر أو أراد شكورا . صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين المُعَظِمين لبيت ربهم وحرمته ، الطائفين والعاكفين والركع السجود ، والعامرين بيوت الله التي تستمد النور من الكعبة المشرفة أول بيت وضع للناس ؛ ليوصلهم بربهم صلاة ودعاء وحضورا ، فاستمدوا منه حرمة ونورا ، منذ قال تعالى { ألست بربكم قالوا بلى } فحفظت شهاداتهم ، فهم يبايعون الله { يد الله فوق أيديهم } . فطوبى لمن حفظ بيعته وصدق بها واتخذ كتاب ربه وسنة نبيّه منهجا ودُستورا . وقد جمعت هذه الصفحات في فضائل وخصائص ومكارم وأحكام الحجر الأسود درّة بيت الله الحرام ، راجيا من الله القبول والتوفيق ، ومن المؤمنين وأخص الحجاج والعمار الدعاء والسلام .

 

 

مكانة البيت الحرام

 

قال تعالى { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين * فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ، ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين }[سورة آل عمران الآية 96-97 ].

تشير هذه الآيات المباركة بوضوح إلى أول بيت وضع في الأرض لعبادة الله ، وإلى ما في هذا البيت من قدسية وحرمة ، وما فيه من دلائل وبراهين ، وآثار ، منها مقام إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، وهو الأمن لأهل الأرض .

وفي الآيات دعوة القادرين لحج هذا البيت وقصده وتعظيمه ، وخلاف ذلك هو الكفر ، كما ختمت الآيات { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } .

قال صاحب الكشاف (1) : فكأنه قال : إن أول متعبد للناس الكعبة .

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أي بيت وضع للناس أول ؟ قال : المسجد الحرام . قلت : ثم أي ؟ قال : المسجد الأقصى . قلت : كم كان بينهما ؟ قال : أربعون سنة .

وذكر الزركشي في كتابه إعلام الساجد (2) باب في ذكر أسماء مكة : إن من أسمائها : البيت العتيق ، لأنه قديم البناء ، إذ كانت الملائكة تطوف به قبل خلق آدم . وإن من أسمائها البيت الحرام لتحريم القتال فيه ، مما يدل على حرمته ومكانته . وهو أول وأولى المساجد التي تشد إليها الرحال ، حيث ورد في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى "(3) .

وهو قبلة المسلمين في صلواتهم الخمس والنوافل والدعاء ، والصلاة فيه ـ بعد الطواف ـ أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه .

عن عبد الله بن الزبير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد ، إلا المسجد الحرام ، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة "(4) .

قال الزركشي : وذكر جماعة أنه البيت المعمور الذي أقسم الله به ، حكي ذلك عن ابن عباس والحسن رضي الله عنهم ، معمور بمن يطوف به .

قال تعالى { والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور }

[ الطور الآيات 1-4] .

وعن محمد بن عباد بن جعفر أنه كان يستقبل الكعبة ، ويقول : واحد بيت ربي ، ما أحسنه ، وأجمله ؟ هذا والله البيت المعمور (5).

وقال تعالى أيضا في بيان فضله :{ وإذ جعـلنــا البـيـت مثابة للناس وأمنا ، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ، وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود } [ سورة البقرة الآية 125 ].

البيت : الكعبة ، والمثابة : المباءة والمرجع للحجاج والعمار ، يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه ، والأمن هنا : مكان السلام .

كلمة في سياق هذه الآية (6): تأتي هذه الآية بعد إعطاء إبراهيم منصب الإمامة ، وبعد إعطائه الوعد بأن يكون من ذريته أئمة ، فترينا هذه الآية مظهرا من مظاهر إمامة إبراهيم وواحدا من ذريته وترينا نموذجا من قيام إبراهيم وإسماعيل بما كلفا به وترينا كذلك أن البيت الذي سيكون قبلة للمسلمين ومحجا لهم إنما وجد بإرادة الله وتشريفية من الله وبأمره ، كما ترينا الحكمة من بناء البيت وترينا أنه في الأصل بني للطواف والعكوف والسجود .

وقد فسر ابن عباس رضي الله عنهما كون هذا البيت مثابة بقوله : لا يقضون منه وطرا ، يأتونه ثم يرجعون إلى أهليهم ثم يعودون إليه ". وذلك شوقا إليه .

وقال غيره : لا ينصرف عنه منصرف وهو يرى أنه قد قضى منه وطرا (7). فلا يشبعون منه .

وقال كثير من أئمة التفسير (8) : أن المثابة : المجمع .

وعلى هذا القول يكون المعنى ؛ أن الله عز وجل أراد أن يكون هذا البيت ملتقى الشعوب كلها ، والأجناس كلها ، يجتمعون فيه ، فيتعارفون وينتفعون ، قائمين بأمر الله ، عابدين له موحدين ، معظمين شعائره . وأما كون البيت أمنا فمن حيث أن من دخله كان آمنا .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : لو لم يحج الناس هذا البيت لأطبق الله السماء على الأرض .(9)

والكعبة المشرفة ، هي القبلة التي رضيها الله تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بقوله : { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ، فولّ وجهك شطر المسجد الحرام ، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ... }

[ البقرة ، الآية 144 ].

ويروى عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أنه كان يطوف بالكعبة المشرفة ، ويقول : ما أعظمك وأعظم حرمتك ، ولكن المؤمن أعظم حرمة عند الله منك ".

ومن حرمة هذا البيت بجميع أركانه تأتي حرمة ومكانة الحجر الأسود ، لأنه أحد أركانه الأربع ، وهو الركن عند الإطلاق حيث له علاقة بالطواف حول البيت الحرام ، الذي جاء في الخبر أنه أفضل الأعمال في البيت الحرام حيث ينزل الله تبارك وتعالى في كل يوم على هذا البيت مائة وعشرين رحمة ، ستين للطائفين ، وأربعين للمصلين ، وعشرين للناظرين.

اللهم زد هذا البيت ومن زاره تشريفا وتعظيما ومهابة وقدرا ... آمين .

 

تاريخ بناء البيت الحرام

 

قال ابن كثير (10): وقد اختلف الناس في أول من بنى الكعبة ، فقيل الملائكة قبل آدم ... وقيل آدم عليه السلام .... وقيل شيث عليه السلام .... وغالب من يذكر هذا إنما يأخذه من كتب أهل الكتاب ، وهي مما لا يصدق ولا يكذب ، ولا يعتمد عليها بمجردها ، وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما : هو أول بيت حج بعد الطوفان ، وقيل : هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض ، خلقه قبل الأرض بألفي عام ، وكان زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض تحته ، وقيل هو أول بيت بناه آدم عليه السلام في الأرض ، وقيل لما أهبط آدم قالت له الملائكة : طُفْ حول هذا البيت، فلقد طفنا قبلك بألفي عام(11).

وروى الأزرقي عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم : أن الله تعالى بعث ملائكة ، فقال : ابنو لي في الأرض بيتا تمثال البيت المعمور وقدره . وأمر الله تعالى من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور . قال : وهذا كان قبل خلق آدم عليه السلام (12).

وأسند العمري إلى قتادة أنه قال : ذكر لنا أن البيت هبط مع آدم ، وحين أهبط قال الله تعالى : أهبط معك بيتي يطاف به كما يطاف حول عرشي . فطاف حوله آدم ومن كان بعده من المؤمنين ، حتى إذا كان زمن الطوفان ، رفعه الله وطهره من أن تصيبه عقوبة أهل الأرض ، فصار معمورا في السماء ، ثم إن إبراهيم عليه السلام تتبع منه أثرا بعد ذلك ، فبناه على أساس قديم كان قبله (13).

يقول الشيخ د. محمد سعيد رمضان البوطي (14): بنيت الكعبة خلال الدهر كله أربع مرات بيقين ، ووقع الخلاف الشك فيما قبل هذه المرات الأربع

     1- بناء إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام .

         ثبت ذلك بصريح الكتاب والسنة الصحيحة .

    2- بناء قريش قبل الإسلام ، واشتراك النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة .

   3- بناء عبد الله بن الزبير رضي الله عنه بعد احتراق البيت زمن يزيد بن معاوية .

   4- بناء الحجاج بأمر عبد الملك بن مروان بعد مقتل ابن الزبير ونقض بنائه .

   5- تتعلق بما قبل إبراهيم عليه السلام ، هل كانت الكعبة بنيت قبل ذلك أم لا ؟

 

حل مشكلة الحجر الأسود

ومهما اختلفت الروايات والأخبار حول عدد المرات ، وأول من بنى الكعبة المشرفة ، فإنه مما لا خلاف فيه بناء إبراهيم الخليل عليه السلام ، واشتراك الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه في البناء الأول ، قبل البعثة ، عندما بنتها قريش بعد تصدعها واحتراقها حسب بعض الروايات ، ومما لا خلاف فيه أيضا مشكلة وضع الحجر الأسود الذي كادت قريش أن تقتتل بسببه لتنال كل قبيلة شرف وضعه في مكانه حتى رضوا بحكم وحكمة الصادق الأمين عندما دخل عليهم .

قال ابن إسحاق (15): ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها ، كل قبيلة تجمع على حدة ، ثم بنوها ، حتى بلغ البنيان الركن (16) [ الحجر الأسود ] فاختصموا فيه ، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى ، حتى تحاوروا ، وتحالفوا وأعدوا للقتال ، ... فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا ، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد ، وتشاوروا وتناصفوا ، فزعم بعض أهل الرواية : أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ( عم خالد بن الوليد ) وكان عامئذ أسن قريش كلها ، قال : يا معشر قريش اجعلوا بينكم ـ فيما تختلفون فيه ـ أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه ، ففعلوا ، فكان أول داخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأوه قالوا : هذا الأمين ، رضينا ، هذا محمد ، فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر ، فقال صلى الله عليه وسلم :  " هلم إلي ثوبا "، فأتي به فأخذ الركن ، فوضعه بيده ، ثم قال :" لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب " ثم ارفعوه جميعا ، ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده ، ثم بنى عليه ، وكانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ قبل أن ينزل عليه الوحي : الأمين .

ويعلق الشيخ محمد الخضري بك (17): وهكذا انتهت هذه المشكلة التي كثيرا ما يكون أمثالها سببا في انتشار حروب هائلة بين العرب لولا أن يمن الله بعاقل مثل أبي أمية يرشدهم إلى الخير ، وبحكيم مثل الرسول صلى الله عليه وسلم يقضي بينهم بما يرضي جميعهم ، ولا يستغرب من قريش تنافسهم هذا ، لأن البيت قبلة العرب وكعبتهم التي يحجون إليها ، فكل عمل فيه عظيم به الفخر والسيادة ، وهو أول بيت وضع للعبادة بشهادة القرآن الكريم .

ويلاحظ من هذه الرواية الموثقة أنهم لم يختلفوا إلا على وضع الحجر الأسود خاصة من دون حجارة الكعبة المشرفة الأخرى ، مما يدل بوضوح على أهمية ومكانة وقدسية وخصوصية هذا الحجر الكريم .

 

موضع الحجر الأسود في البيت

قال الإمام النووي (18): وهو في الركن الذي يلي باب البيت من جانب المشرق ويسمى الركن الأسود ويقال له وللركن اليماني ـ الركنان اليمانيان ـ ، وارتفاع الحجر الأسود من الأرض ثلاث أذرع إلا سبع أصابع " وتقدر بمقادير اليوم بـ 150سم تقريبا .

وصفه :" والحجر الأسود حجر صقيل بيضي ، غير منتظم ، ولونه أسود يميل إلى الإحمرار ، وفيه نقط حمراء ، وتعاريج صفراء (19) ".

ووصف الرحالة ابن بطوطة (20) الحجر الأسود كما شاهده خلال رحلته إلى مكة فقال :" واما الحجر الأسود ، فارتفاعه عن الأرض ستة أشبار ، فالطويل من الناس يتطامن لتقبيله والصغير يتطاول إليه ، وهو ملصق بالركن الذي إلى جهة المشرق ، وسعته ثلثا شبر وطوله شبر وعقد ، ولا يعلم قدر ما دخل منه في الركن ، فيه أربع قطع ملصقة . وجوانب الحجر مشدودة بصفيحة من فضة ، يلوح بياضها على سواد الحجر الكريم ، فتجلى منه العيون حسنا باهرا .

ولتقبيله لذة ينعم بها الفم ، ويود لاثمه ألا يفارق لثمه ، خاصة مودعة فيه وعناية ربانية به ، وكفى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إنه يمين الله في أرضه " ( نفعنا الله باستلامه ومصافحته وأوفد عليه كل شيق إليه ) وفي القطعة الصحيحة من الحجر الأسود مما يلي جانبه الموالي مستلمه ، نقطة بيضاء صغيرة مشرقة ، كأنها خال من تلك الصحيفة البهية ... " (21) .

 

من أين أتى الحجر الأسود ؟ مصدره

جاء في أخبار مكة (22) عن الشعبي قال لما أمر إبراهيم عليه السلام أن يبني البيت وانتهى إلى موضع الحجر قال لإسماعيل : إئتني بحجر ليكون علما للناس يبتدئون منه الطواف ، فأتاه بحجر فلم يرضه ، فاتي إبراهيم عليه السلام بهذا الحجر ثم قال أتاني به من لم يكلني على حجرك .

وعن يوسف بن ماهك قال : قال عبد الله بن عمرو أن جبريل عليه السلام هو الذي نزل عليه بالحجر من الجنة ، وأنه وضعه حيث رأيتم وإنكم لن تزالوا بخير ما دام بين ظهرانيكم فتمسكوا به ما استطعتم فإنه يوشك أن يجيء فيرجع به من حيث جاء به " اهـ . (23) .

 وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أنزل الركن الأسود من الجنة وهو يتلألأ تلألؤا من شدة بياضه فأخذه آدم عليه السلام فضمه إليه أنساً به (24) .

وعن مجاهد قال : الركن من الجنة ، ولو لم يكن من الجنة لفني (25) .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الحجر الأسود من حجارة الجنة "(26).

7- وسواء ثبت أن البناء الأول كان قبل آدم عليه السلام أو من زمنه أو من زمن إبراهيم عليه السلام ، فإن هذه  الروايات ، إن صحت ، تثبت أنه من حجارة الجنة ، وتنفي الأقاويل أنه حجر عادي ، أو من النيازك ، أو غيرها كما زعم بعضهم .

 

الحجر الأسود كان مضيئا

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إنّ الركن والمقام من ياقوت الجنة ، لولا ما مسهما من خطايا بني آدم ، لأضاءا ما بين المشرق والمغرب ، وما مسهما من ذي عاهة ولا سقيم إلا شفي " (27) .

وقيل : لولا أن الله طمس نوره ما استطاع أحد أن ينظر إليه (28).

وفي رواية الأزرقي قال : أشهد أن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة ، لولا أن الله تعالى أطفأ نورهما لأضاء نورهما ما بين السماء والأرض (29).

وفي رواية أخرى فلما وضع جبريل الحجر في مكانه ، وبنى عليه إبراهيم ، وهو حينئذ يتلألأ من شدة بياضه ، فأضاء نوره شرقا وغربا ويمينا وشمالا ، قال : فكان نوره يضيء إلى منتهى أنصاب الحرم ، من كل ناحية من نواحي الحرم ، قال : وإنما شدة سواده لأنه أصابه الحريق مرة بعد مرة في الجاهلية والإسلام (30).

وقد مر معنا أنه احترق زمن قريش ولهذا جددت بناءه ، وكذلك زمن عبد الله بن الزبير فنقضه وجدد البناء . فهذه الروايات تشير إلى النور الذي كان يضيء من الحجر عند نزوله ، وبعضها يعزو اختفاء هذا النور إلى خطايا بني آدم ، وبعضها بسبب الحريق ، ولا ندري كم هي المدة التي بقي فيها مضيئا ،والله أعلم .

وعن سعيد بن جبير ،عن ابن عباس قال : الركن والمقام من جوهر الجنة (31). 

وثبت في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" نزل الحجر الأسود من الجنة ، وهو أشد بياضا من اللبن ، فسودته خطايا بني آدم (32) .

 

فضائل الحجر الأسود

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن الركن يمين الله عز وجل في الأرض ، يصافح بها خلقه ، والذي نفس ابن عباس بيده ، ما من امرئ مسلم يسأل الله عز وجل شيئا عنده ، إلا أعطاه إياه ، قال عثمان بن ساج وحدثت أن الله تبارك وتعالى لما أخذ ميثاق العباد جعله في الركن الأسود فيبعثه الله عز وجل بالوفاء بعهده " (33) .

وورد أنه يبعث يوم القيامة مثل جبل أحد ، يشهد لمن استلمه وقبّله (34).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :" ليبعثنّ الله الحجر يوم القيامة له عينان ، يبصر بهما ، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق "(35).

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" يأتي الركن يوم القيامة ، أعظم من أبي قبيس ، له لسان وشفتان يتكلم عمن استلمه بالنية ، وهو يمين الله التي يصافح بها خلقه ".

قال البيهقي (36) قال أهل النظر اليمين هنا عبارة عن النعمة ومن فضائله أنه على قواعد إبراهيم عليه السلام .

قال الشوكاني في نيل الأوطار : وإنما اقتصر صلى الله عليه وسلم على استلام اليمانيين لما ثبت في الصحيحين من قول ابن عمر رضي الله عنهما ، أنهما على قواعد إبراهيم دون الشاميين ، فعلى هذا يكون للركن الأول من الأركان الأربعة فضيلتان ، كونه الحجر الأسود وكونه على قواعد إبراهيم (37) وللثاني الثانية فقط ، وليس للآخرين أعني الشاميين شيء منها ، فلذلك يقبل الأول ويستلم الثاني فقط ، ولا يقبل الآخران ولا يستلمان ، على رأي الجمهور (38) .

وجاء في الحاوي : روى محمد بن المنكدر عن جابر  رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الحجر الأسود يمين الله في الأرض يصافح بها عباده (39) .

وروى أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الحجر يمين الله في الأرض فمن مسحه فقد بايع الله "(40).

وعن عكرمة قال : أن الحجر الأسود يمين الله في الأرض ، فمن لم يدرك بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمسح الحجر فقد بايع الله ورسوله "(41) .

قال الإمام الغزالي رحمه الله في الإحياء : وأما الإستلام فاعتقد عنده أنك مبايع لله عز وجل على طاعته ، فصمم عز يمتك على الوفاء ببيعتك ، فمن غدر في المبايعة استحق المقت . وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " الحجر الأسود يمين الله عز وجل يصافح به خلقه كما يصافح الرجل أخاه " (42). 

ويقول الداعية فتحي يكن (43) وأما باستلام الحجر الأسود ؛ فيدرك الداعية أنه مبايع لله عز وجل على طاعته ، وعلى الجهاد في سبيله ، وإنها بيعة ثقيلة { فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما } [الفتح 11] . وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول :" الحجر الأسود يمين الله عز وجل في الأرض يصافح به خلقه ، كما يصافح الرجل أخاه " حديث ابن حبان .

ومن فضائله أنه يستجاب عنده الدعاء .

روى الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" الركن الأسود نور من أنوار الجنة ، وما من أحد يدعو الله عز وجل عنده ، إلا استجيب له "(44).

وروي " ما بين الركن اليماني والركن الأسود روضة من رياض الجنة " (45) .

ومن فضائله أيضا أنه تسكب عنده العبرات ؛ دلالة على الحضور والخشوع والرحمة .

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر فاستلمه ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلا ، فالتفت فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي . فقال : " يا عمر ! ههنا تسكب العبرات (46) . ولا تمس النار عينا بكت وفاضت من خشية الله ، ويظلها الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله .

وروى ابن شهاب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل الحجر وقال : والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك (47)" فقال علي بن أبي طالب أما أنه ينفع ويضر سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" أن الله تبارك وتعالى لما أخذ العهد على آدم وذريته ، أودعه في رق في هذا الحجر ، فهو يشهد لمن وافاه يوم القيامة " فقال عمر : لا أحياني الله لمعضلة لا يكون لها ابن أبي طالب حيا (48) .

 

الحكمة في قول عمر رضي الله عنه :

" لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ".

اشتهرت مقولة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تقبيله للحجر الأسود " لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ، ما قبلتك " من حديث أخرجه الجماعة .

قال الحافظ ابن حجر : قال الطبري : إنما قال ذلك عمر ، لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام ، فخشي عمر أن يظن الجهال أن استلام الحجر تعظيم بعض الأحجار ، كما كانت العرب تفعل في الجاهلية ، فأراد عمر أن يعلم الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا لأن الحجر يضر وينفع بذاته ، كما كانت تعتقده في الأوثان .

وقال الحافظ : وفي قول عمر هذا التسليم للشارع في أمور الدين ، وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها ، وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما يفعله ، ولو لم يعلم الحكمة فيه ، وفيه دفع ما وقع لبعض الجهال من أن في الحجر الأسود خاصة ترجع إلى ذاته ، وفيه بيان السنن بالقول والفعل ، وأن الإمام إذا خشي على أحد من فعله فساد اعتقاد ، أن يبادر إلى بيان الأمور ويوضح ذلك (49) .

وللدكتور يوسف القرضاوي تعليق ورد يناسب هذه الحكمة ، حيث ورد إليه سؤال يقول صاحبه : وقع في يدي كتاب أثار فيه مؤلفه شبهات حول الحجر الأسود ، ورد الأحاديث التي وردت في استلامه وتقبيله ، زاعما أنها تنافي دعوة الإسلام للتوحيد ونبذ الأوثان ، فكان جوابه بعد أن ذكر قصة عمر رضي الله عنه : والأحاديث المذكورة أحاديث قولية صحيحة ثابتة ، لم يطعن فيها عالم من علماء السلف أو الخلف ، على أن الأمر أكثر من ذلك . فإن هذه سنة عملية تناقلتها الأجيال منذ عهد النبوة إلى الآن بلا نكير من أحد ، فأصبحت من مسائل الإجماع ، ولا تجتمع الأمة على ضلالة ، وهذا وحده أقوى من كل حديث يروى ، ومن كل قول يقال ... (50) . 

 

الحجر الأسود والمقام ياقوتتان

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الركن والمقام من ياقوت الجنة ، ولولا ما مسهما من خطايا بني آدم لأضاءا ما بين المشرق والمغرب ، وما مسهما من ذي عاهة ولا سقيم إلا شفي "(51).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الحجر الأسود من حجارة الجنة "(52).

 

الحجر الأسود يمين الله

عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :" ليبعثن الله الحجر يوم القيامة له عينان ، يبصر بهما ، ولسان ينطق به ، يشهد على من استلمه بحق "(53).

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" يأتي الركن يوم القيامة ، أعظم من أبي قبيس ، له لسان وشفتان ، يتكلم عمن استلمه بالنية ، وهو يمين الله التي يصافح بها خلقه "(54).

 

التالي >>

الهوامش _________________________

1- تفسير الكشاف للزمخشري 1/446 .

2- إعلام الساجد بأحكام المساجد ـ لمحمد بن عبد الله الزركشي ص79 .

3- رواه البخاري .

4- ذكره في إعلام الساجد ص115 وقال : إسناده على شرط الصحيح ، وصححه ابن عبد البر .

5- إعلام الساجد ص 195 .

6- الأساس في التفسير ـ لسعيد حوى 1/267 .

7- المصدر السابق .

8- الأساس في التفسير 1/267 .

9- المصدر السابق 1/268 .

10- تفسير القرآن العظيم ـ لأبي الفداء بن كثير الدمشقي 1/172، 173.

11- الكشاف 1/446 .

12- فتح العلام ـ للسيد محمد بن عبد الله الجرداني 4/278 .

13- الكعبة على مر العصور ص9 د. علي حسن الخربوطلي عن مسالك الأبصار للعمري 1/93

14- فقه السيرة ـ البوطي ص75 و ص78 . بتصرف .

15- سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ـ لابن هشام 1/213 ـ 214 .

16- يعني بالركن ههنا : الحجر الأسود ، وسمي ركنا لأنه مبني في الركن ، قاله أبو ذر .

17- نور اليقين في سيرة سيد المرسلين ص10 .

18- كتاب متن الإيضاح في المناسك للإمام النووي ص68 .

19- الكعبة على مر العصور ص19 ـ د . علي حسني الخربوطلي .

20- رحلة ابن بطوطة 1/107  .

21- تاريخ الكعبة ص22ـ 23 ـ د . علي حسني الخربوطلي  .

22و 23- أخبار مكة ـ لأبي الوليد الأزرقي ج1 ص61ـ 64 .

24- المصدر نفسه ص328 .

25- المصدر السابق ص328 .

26- أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 5/75 .

27- أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 5/75 .

28- فتح العلام 4/278 .

29- أخبار مكة ـ ص328 .

30- أخبار مكة ـ ص65 .

31- المرجع السابق  ـ ص327 .

32- قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .

          وانظر : متن الإيضاح للنووي ص148 .

33- أخبار مكة ص326 .

34- فتح العلام .

35- اخرجه البيهقي في السنن الكبرى 5/75 .

36- أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص333 . وفي إسناد الحديث ضعف .

37- نيل الأوطار للشوكاني 5/114 ـ 115 .

38- نفس المصدر 5/116 .

39و 40- الحاوي الكبير للإمام أبي الحسن الماوردي 5/175 .

41- أخبار مكة للأزرقي ص325 .

42- إحياء علوم الدين للغزالي 1/269 .

43- قوارب النجاة في حياة الدعاة ص107 .

44- السنن الكبرى للبيهقي 5/75 .

45- الحاوي الكبير للماوردي ـ بتحقيق محمد مسطرجي 5/181 .

46- رواه ابن ماجه في المناسك : باب استلام الحجر 2/982 رقم (2945) ، والحاكم 1/454 ، وأورده السيوطي في الدر المنثور 1/325 .

قال البوصيري في زوائد ابن ماجه 3/18 رقم(1036): هذا إسناد ضعيف ، فيه محمد بن عون ضعفه ابن معين وأبو حاتم وغيرهما ، ورواه عبد بن حميد في مسنده وابن خزيمة في صحيحه والحاكم وصحح إسناده ، ومن طريقه البيهقي وقال : تفرد به محمد بن عون . 

47- أخرجه مالك في الموطأ 1/367 وغيره .

48- أخرجه الحاكم 1/457 . قال ابن حجر في فتح الباري 3/462 وفي إسناده أبو هارون العبدي ، وهو ضعيف جدا .

49- فتح الباري 3/370 .  

50- فتاوى معاصرة ـ د. القرضاوي ص359.

51- أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 5/75 .

52- المصدر السابق .

53- المرجع السابق .

54- أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص333 .

    قال : قال أهل النظر اليمين هنا عبارة عن النعمة ، وفي إسناد الحديث ضعف .

 

القسم (1 ) ، ( 2 ) ، ( 3 ) التالي >>