اتصل بنا

من نحن

محاضرات

مؤلفات

مقالات

أبحاث

الرئيسية 

* الحديث الشريف >> من شبهات المستشرقين

من شبهات المستشرقين
التدوين وأثره في صحة الحديث

أ . د / نور الدين عتر

       هذه دعوى اخترعها بعض غلاة المستشرقين من قديم ، وأقام بناءها على وهم فاسد سبقت مناقشته في بحث كتابة الحديث .
     يقول هذا الزعم : إن الحديث بقي مائتي سنة غير مكتوب ،ثم بعد هذه المدة الطويلة قرر المحدثون جمع الحديث ، وصاروا يأخذون عمن سمعوا الأحاديث ، فصار هؤلاء يقول الواحد منهم : سمعت فلاناً يقول سمعت فلاناً عن النبي صلى الله عليه وسلم .
لكن لما  أن الفتنة أدت إلى ظهور الانقسامات والفرق السياسية فقد قامت بعض الفرق بوضع أحاديث مزورة حتى تثبت أنها على حق .
وقد قام علماء السنة بدراسة أقسام الحديث ونوعوه إلى أقسام كثيرة جداً ، وعلى هذا يصعب الحكم بأن هذا الحديث صحيح أو هذا الحديث موضوع .
وقد سبق لنا في بحوث كتابة الحديث ، وتأريخ الإسناد وشروط الرواة ، التحقيق الذي يغني عن نقاشه هذا الزعم ، فنكتفي بهذه الخلاصات للرد عليه هنا :
     1- إن تدوين الحديث قد بدأ منذ العهد الأول في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، وشمل قسماً كبيراً من الحديث ، كما حققناه بالأدلة القاطعة ، وأشرنا إلى أمثلة من تلك الكتابة . وننبه هنا إلى ما يجده المطالع للكتب المؤلفة في رواة الحديث من نصوص تاريخية مبثوثة في تراجم هؤلاء الرواة تثبت كتابتهم للحديث بصورة واسعة جداً تدل على انتشار التدوين وكثرته البالغة ، حتى لقد يقع في ظن الباحث ان الحديث قد دُوِّن جميعُه منذ عهده المبكر .
     2 - إن تصنيف الحديث على الأبواب في المصنفات والجوامع مرحلة متطورة متقدمة كثيراً في كتابة الحديث ، وقد تم ذلك قبل سنة 200 للهجرة بكثير ، بل إنه قد تم في أوائل القرن الثاني ، بين سنة 120 ـ 130 هـ . بدليل الواقع الذي يحدثنا عن ذلك ، فهناك جملة من هذه الكتب مات مصنفوها في منتصف المائة الثانية ، مثل جامع معمر بن راشد (154) وجامع سفيان الثوري (161)وهشام بن حسان (148) وابن جريج (150) وغيرها كثير .
وقد وجد العلماء بعض هذه الجوامع ، ويجري الآن تحقيق جامع معمر بن راشد في الهند ، ليكون إخراجه شاهد حق ودليل صدق على ما بيناه في هذه المسألة .
     3 - إن علماء الحديث وضعوا شروطاً لقبول الحديث تكفل نقله عبر الأجيال بأمانة وضبط ، حتى يُؤدَّى كما سُمِع من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أوضحنا من شروط الراوي التي توفر فيه غاية الصدق لما اجتمع فيه من الدوافع الدينية والاجتماعية والنفسية ، مع الإدراك التام لتصرفاته وتحمل المسئولية ، كما أنها توفر فيه قوة الحفظ والضبط بصدره أو بكتابه أو بهما معاً مما يمكنه من استحضار الحديث وأدائه كما سمعه ، وكما أوضحناه من شروط الصحيح والحسن التي تكفل ثقة الرواة ثم سلامة تناقل الحديث بين حلقات الإسناد وسلامته من القوادح الظاهرة والخفية . ثم بما بيناه من دقة تطبيق المحدثين لهذه الشروط في الحكم على الحديث بالضعف لمجرد فقد دليل على صحته ، من غير أن ينتظروا قيام دليل مضادٍّ له .
     4 - إن علماء الحديث لم يكتفوا بهذا ، بل تنبهوا إلى عوامل في الرواية المكتوبة لم يتنبه إليها هؤلاء المتطفلون بالاقتراح عليهم ، فقد اشترط المحدثون في الرواية المكتوبة شروط الحديث الصحيح ، لذلك نجدد على مخطوطات الحديث تسلسل سند الكتاب من راو إلى آخر حتى يبلغ مؤلفه ، ونجد عليها إثبات السماعات وخط المؤلف أو الشيخ المسمع الذي يروي النسخة عن نسخة المؤلف أو عن فرعها . .
فكان منهج المحدثين بذلك أقوى وأحكم ، وأعظم حيطة من أي منهج في تمحيص الروايات ، والمستندات المكتوبة .
     5 - إن البحث عن الإسناد لم ينتظر مائتي سنة كما وقع في كلام الزاعم ، بل فتش الصحابة عن الإسناد منذ العهد الأول حين وقعت الفتنة سنة 35 هجرية ، لصيانة الحديث من الدس .
وقد ضرب المسلمون للعالم المثل الفريد في التفتيش عن الأسانيد ، حيث رحلوا إلى شتى الآفاق بحثاً عنها ، واختباراً لرواة الحديث ، حتى اعتبرت الرحلة شرطاً أساسياً لتكوين المحدث .
     6 - إن المسلمين ـ كما تبين مما سبق ـ لم يغفلوا عما اقترفه الوضاعون وأهل البدع والمذاهب السياسية من الاختلاق في الحديث ، بل بادروا لمحاربة ذلك باتباع الوسائل العلمية الكافلة لصيانة السنة في قيود رواية المبتدع ، ولبيان أسباب الوضع وعلامات الحديث الموضوع .
     7 - إن هذا التنوع الكثير للحديث ليس بسبب أحواله من حيث القبول أو الرد فقط ، بل إنه يتناول إضافة إلى ذلك أبحاث رواته وأسانيده ومتونه ، وهو دليل على عمق نظر المحدثين ودقة بحثهم ، وقد بحثنا ذلك في جلاء في هذا الكتاب ، فكان على هذا القائل أن يسلم لهم ، كما أننا نستدل على دقة العلم وإحكام أهله له بتقاسيمه وتنويعاته  ، بل لا يُعد علما ما ليس فيه تقسيم أقسام وتنويع أنواع ؟!!
     8 - إن علماء الحديث قد أفردوا لكل نوع من الحديث وعلومه كتباً تجمع أفراد هذا النوع من أحاديث ، أو أسانيد او رجال ، كما أوضحناه في بحث كل نوع في كتابنا هذا ، فلا يصلح بعد هذا أن يقول قائل كيف نعرف هذا الحديث أنه صحيح من بين تلك الانواع ز
ونحن نقول له : كذلك وقع التنوع في كل علم وكل فن ، فلو قال إنسان كيف نحكم على هذا المرض بأنه كذا وأنواع الأمراض تعد بالمئات ، وكيف نبين هذا المركب الكيمائي من بين المركبات التي تعد بالآلاف لأحلناه على الخبراء المتخصصين ليأخذ منهم الجواب الشافي ن والحل المقنع .
فكما يرجع في الطب إلى الأطباء ، وفي الهندسة إلى المهندسين وفي الكيمياء إلى علمائها ، والصيدلة إلى أصحابها .... كذلك فارجع في الحديث إلى علماء الشرع المتخصصين في هذا العلم لأخذ البيان الجلي المدعم بالأدلة القاطعة عن كل حديث تريده وتود معرفة حاله . ( من كتابه [منهج النقد في علوم الحديث]) .

من شبهات المستشرقين
تدوين الحديث وأثره في الفقة

     هي شبهة شائعة حتى أصبحت كأنها مسلمة يلقيها بعض المتخصصين في الدراسات الفقهية على طلاب الجامعات يزعم أن تدوين الحديث تأخر عن تدوين الفقه وانتشار المذاهب الفقهية ، وهو بزعمه الأمر الذي أدى إلى الخلاف بين الفقهاء ، بل إن بعض من حمل هذه الفكرة من المتمجهدين قد زاد على ذلك وراح يبالغ إلى درجة توهم البعد بين بعض المذاهب الفقهية المعتمدة وبين السنة النبوية . . !! .
وهذه الشبهة من أصلها قول من أبعد النجعة عن الحقيقة ، وعمد إلى المبالغة في تضخيم الأثر المتوهم لتأخر تدوين الحديث المزعوم .
والحقيقة التاريخية تثبت خلاف ما ادعاه هؤلاء ، وذلك لما نقدمه فيما يلي :
     1 - إن حفظ الحديث قد توفر لدى الصحابة رضوان الله عليهم بأقوى ما يكون ، وكان جماعة من الصحابة على إحاطة بجملة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد وجد في كل صقع وقطر من الأقطار من يؤدي بلاغ الحديث بجملته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة ثم من التابعين وهكذا ، ناهيك عن حفظهم للقرآن واعتنائهم بدرسه والتفقه فيه، وهو الأصل الأول في التشريع ، فكانوا بذلك بغنى عن التدوين لما وعته صدورهم من العلم .
     2 - ما سبق أن ذكرناه من تحقق التدوين منذ عهده صلى الله عليه وسلم ، وهو على كل حال يدل على أن الحديث حظي من التدوين والنشر بما لم يحظ به الفقه إلا بعد عهد .
     3 - إن تدوين الفقه بدأ في ضمن تدوين الحديث ، حيث جمعت المصنفات والموطآت الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة والمقطوعة ، فالحقيقة أن العكس هو الصواب ، وهو أن تدوين الحديث سبق تدوين الفقه ، وانتشار المذاهب .
     4 - إن أسباب الخلاف بين الفقهاء ترجع في حقيقتها إلى أمور جوهرية أوسع وأبعد مدى بكثير جداً من غيبة حديث أو رواية عن الفقيه ، ولو استقصينا المسائل التي وقع فيها الخلاف بسبب ذلك لكانت مسائل يسيرة من أبواب الفقه ، كثير منها في الآداب والمستحبات ، أما سائر المسائل الخلافية فيرجع الخلاف فيها إلى أسباب جوهرية أخرى تتصل بطبيعة تلك المسائل الاجتهادية التي من شأنها ومن سنة الله أن تختلف فيها الفقاهات والأفهام ، سواء في ذلك قوانين الشريعة الإسلامية ، والقوانين الوضعية ، كما هو معلوم لمن ألم بأوضاع التطبيقات القانونية .
     وقد وقع الخلاف في عهده ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين الصحابة في نص واحد وجهه إليهم جميعهم يوم بني قريظة ولم يعنف صلى الله عليه وسلم أحداً من الفريقين ، وها هي ذي المصادر الإسلامية فيها الكثير مما يرويه الفقيه من حديث صحيح لا شك في صحته عنده . ثم يخالف مادل عليه ظاهر الحديث لقيام دليل آخر عنده على خلافه ، أو لأن له فهماً في النص غير الفهم الذي وقع لغيره ، أو غير ذلك من الأسباب التي يطول شرحها ، وموطأ مالك مثال ظاهر لذلك ، فقد روى فيه أحاديث كثيرة ، ولم يعمل بظاهرها .
هذا كله وغيره كثير من الوجوه تبطل ادعاء تأخر تدوين الحديث عن تدوين الفقه ، وتبطل زعم أن ذلك التأخر كان منشأ تفرق المذاهب الإسلامية الفقهية .

من كتاب " منهج النقد في علوم الحديث " ونقلا عن موقع الشبكة الإسلامية .

 

الرئيسية | القرآن الكريم | الحديث الشريف | السيرة النبوية | التاريخ الإسلامي | فتاوى | الفقه الإسلامي | محركات بحث
كتب وموسوعات | مواقع تعليمية | دور نشر ومكتبات | ندوات | مراكز | صحف ومجلات | دروس وخطب | مواقع مفضلة

دليل أدلة مواقع | منتديات | برامج مجانية | خدمات إنترنت | أخبار | بريد مجاني | صور | مواقع أطفال | مواقع طبية | روابط أخرى