اتصل بنا

من نحن

محاضرات

مؤلفات

مقالات

أبحاث

الرئيسية 

* الرئيسية * الحديث الشريف >>

بيان نكث الناكث المتعدّي بتضعيف الحارث

للشريف عبدالعزيز بن الصدّيق الحسنيّ الغُماريّ المغربيّ

الحمد لله ربّ العالمين ، والعاقبة للمتّقين ، ولا عدوان إلّا على الظالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، سيّدنا ومولانا محمدٍ ، وعلى آله الطاهرين الأكرمين ، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين .
وبعد :
فقد قرأت كلاماً للألبانيّ في مقدّمةٍ لكتابٍ علّق عليه ، يقول فيه في حق كتابي : «الباحث ، عن علل الطعن في الحارث»[1] بعد كلام دعاه إليه حبّ الشَّغْب والخصام ، وحَمَله عليه ما عُرف به واشتُهر عنه من تسليط لسانه الأعجميّ على عباد الله تعالى بدون ذنبٍ اكتسبوه ، ولا إثمٍ اقترفوه ، حتّى امتدّ منه ذلك إلى أئمّة السَلَف ، وأصحاب المذاهب المتبوعة شرقاً وغرباً ، المشهود لهم بالفضل والدين بين الخاصّ والعامّ ، والمتّفق على جلالتهم في العلم ، وعلوّ درجتهم في الاجتهاد ، وعظيم مكانتهم في خدمة الإسلام والمسلمين ـ كما يقول شيخ الإسلام ابن تيميّة في مقدّمة كتابه النفيس : «رفع الملام عن الأئمّة الأعلام» ـ وتطاول به على مقام أكابر الحفّاظ ، كالمنذريّ الحافظ المتقن ـ رحمه الله تعالى ـ وغيره ، بدون أدنى سببٍ يوجب ذلك التطاول على مقامهم في خدمة الحديث النبويّ .
وكتبه لا تخلو من التهجّم على الأئمّة من السلف والخلف ، الأمر الذي يدلّ على شي ءٍ في نفسه ـ والله تعالى أعلم بمراده منه ـ وإلّا فلو كان غرضه بيان الحقيقة ، ونشر العلم ، وتعريف الناس بصوابِ مَن أخطأ ، لسلك في ذلك مسلك المخلصين من أهل العلم الناصحين ، ولاتّبع طريقهم في التعليم والتبليغ ، ونهج ما كانوا عليه من القول الحسن ، والجدال بالتي هي أحسن .
لأنّ مرادهم ـ رضي الله تعالى عنهم ـ كان هو ردّ الحقّ إلى نصابه ، والتعريف بما يجب الأخذ به ، وكلّ ذلك لا يحتاج إلى الطعن ، والقدح ، والذمّ ، وجلب العبارات الشائنة المشينة ، وأهل الإخلاص من أهل العلم بُرآءُ من هذه الصفات الذميمة ، لأنها من صفات النفاق ـ نسأل الله السلامة منها لنا ولإخواننا ـ كما ورد في الحديث ـ في بيان آية المنافق ـ : «وإذا خاصم فجر»[2] .
وقال الشاعر :

إنّ المنافقَ معلومٌ سجيّته

هَمْزٌ ولَمْزٌ وإيماءٌ وإغماضُ

والمقصود : أنّ الألبانيّ قال ـ بعد كلامٍ في تلك المقدّمة في شأن كتابي «الباحث ، عن علل الطعن في الحارث» ـ ما نصّه : حتّى إنّ أحدهم ألّف رسالةً خاصّةً في توثيق الحارث الأعور الشيعيّ .
فدلَّ هذا الكلام منه على أمرين ، أبان بهما عن جهلٍ عظيمٍ ، وقصورٍ فاضحٍ .
أما الجهل : فما يَفهم منه القاصر في العلم من أنّي تفرّدت بتوثيق الحارث الأعور الهمدانيّ ، وخرجت بذلك عن سبيل أهل الحديث ، وسلكت غير الجادّة بتوثيقه .
ومن طالع كتابي «الباحث» يعلم بطلانه وفساده ، وبُعده عن الحقيقة ، وأنه كلامٌ الغرض منه الشَغْب ، والرغبة في الجدال ، ونشر الخصام بين الناس بدون أدنى فائدةٍ تعود على أحدٍ من أهل العلم من ذلك .
لأنّ الحارث الأعور الهمدانيّ ـ الذي وثّقته وبيّنت بطلان جرح من جرحه ـ مَثَلَه مَثَل سائر رواة الصحيح الذين اختلف فيهم أئمّة الجرح ، ما بين مادحٍ وقادحٍ ، ومجرّحٍ وموثّقٍ ـ كما يعلم ذلك من تتبّع أحوال رجال الصحيحين ، وكما أشرت إلى بعض الأمثلة في ختمة كتاب «الباحث» ـ .
بل من يتتبّع أحوال الرجال ، ويطّلع على كتب الجرح والتعديل ، يحصل عنده العلم اليقين أنّه لا يوجد راوٍ ـ مهما علا قدره ، وسَمَت منزلته ـ لم يتناوله جَرْحٌ ، ولو بالتدليس مثلاً .
حتّى قال بعضهم : من أخذ بالقواعد المصطلح عليها في راوي الحديث الصحيح لم يمكنه أن يصحّح إلّا الحديث بعد الحديث ، لعدم سلامة راوٍ ـ مطلقاً ـ من جرحٍ وتضعيفٍ ، ولو بأقلّ وجوه الجرح ـ كما قلنا ـ وأضعفها .
وإذا كان هذا حال سائر الرواة إلّا النادر منهم جدّاً ، فلا ينبغي أن يحمل باللوم على من اختار توثيق الحارث ، لا سيّما إذا كان ذلك الاختيار مبنيّاً على القواعد المقرّرة عند أئمّة الحديث ، ومدعماً بالأدلّة السالمة من الوهن والضعف ، كما بيّنت ذلك في «الباحث» ، ذلك الكتاب الذي أُعجب به كلّ من قرأه من أهل العلم السالمين من داء الشَّغْب والشغف بنشر الخلاف بين المسلمين في الوقت الذي هم فيه أحوج ما يكونون إلى الوفاق والالتئام والوئام ، وجَمْع الكلمة على خدمة الإسلام ، وتوحيد القلوب على صدّ الهجمات والغارات الموجّهة من أعداء الإسلام ضدّ المسلمين في شرق الأرض وغربها ، وطرح التُرّهات والخُزَعْبَلات التي يراها الجاهلون ومن في قلوبهم مرضٌ أنّها من صميم الدين ، وليست من الدين لا في قَبيلٍ ولا في دَبيرٍ ، وإنّما أثارها المثيرون ، وأخرجها المضلّون من زوايا الإهمال ، ومخابئ النسيان ، تلبيةً لنداء الشرّ ، وإجابةً لدعوة الشيطان في التفرقة ، ورفع لواء التنافر والتناحر ، وإيغار الصدور بين أهل لا إله إلّا الله ، ليسهل اجتياحهم على عدوّهم ، والقضاء عليهم في عُقْر دارهم ، رغم ما هم فيه من بلاءٍ .
والألبانيّ ـ نفسه ـ يعلم هذا ويلمسه ، بل ويسمعه ويشاهده ، ووطنه الذي ينتمي إليه ، وعُرف بالانتساب إليه ، يحكمه الشيوعيّون ، بل المتطرّفون منهم ، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، وإخوانه يذوقون الويل والعذاب من تسلّطهم ، فكان ينبغي للألبانيّ قبل الهجوم على العلماء وأئمّة السلف ، والسعي بين المسلمين بالفرقة ـ بقصدٍ أو بدون قصدٍ ـ أن يكرّس جهوده ، ويوجّه لسانه ـ على الأقلّ ـ لدعوة الألبانيّين ـ إخوانه ـ للجهاد ، وقتال الشيوعيّين الملاحدة ، مع أنّي لم أسمع عنه شيئاً يتعلّق بهذا الأمر مطلقاً .
بل كان الواجب عليه أن يكون أوّل الحاملين للسلاح لتحرير بلاده من حكم الملاحدة ، وعند ذلك يعطي الدليل ـ وألف دليل ـ على غيرته على الإسلام ، ونصيحته لدينه ، والدفاع عن أهل ملّته .
أمّا حمل القلم ، وتجريد اللسان للطعن في أئمّة المسلمين ، وحماة الشريعة من رجال السلف والخلف ، والدعوة إلى الخلاف والشقاق في أمورٍ تافهةٍ للغاية؛ فذلك لا يجمل صدوره من مسلمٍ عامّيّ ، فضلاً عمّن يدّعي خدمة الإسلام ، ونشر السُنّة الُمحمّدية ، وينصب نفسه لإرساء القواعد للدولة الإسلامية إلى درجة أنْ يدخل من أجل ذلك في مداخل لا قِبَلَ له بها ، ولا تقرّها السُنّة النبويّة التي نصب نفسه للدعوة إليها ، لأنّ صاحبها ـ عليه الصلاة والسلام ـ أمرنا أن لا ننازع الأمر أهلَه .
أقول : لا يجمل بمسلمٍ عامّيٍّ في هذا الوقت الذي أصاب البلاد الإسلامية سرطان الارتداد ، ونَبْذ الدين ، والخروج منه جملةً؛ بما دخل إليها بواسطة عملاء الشيوعيّة الملحدة ، والصليبيّة ، والصهيونيّة ، وغيرهم من عملاء المذاهب الضالّة الهدّامة ، كالوجوديّة ، والبهائيّة ، والقاديانيّة ، والماسونيّة ، حتّى صار تسعون بالمائة من الشباب مُلْحِداً ، مارقاً ، منحلّاً ، لا يُقرّ بدين ، ولا يقول بعقيدة .
لا يجمل بمسلمٍ ـ أبداً ـ في هذا الوقت العصيب الذي خرج فيه الناس من دين الله أفواجاً ، أن يسعى السعي الحثيث ، ويعمل جهدَه ، ويصرف طاقته الفكريّة والمادّية في نشر الخلاف ، وبثّ الشقاق بين البقيّة الباقية من المسلمين ـ أهل لا إله إلّا الله ـ الذين لا يستطيع الألبانيّ ـ مهما حاول من مغالطات ، وارتكب من شذوذٍ ـ أن يخرجهم من دائرة جماعة أهل السُنّة عند السلف والخلف ، والذين لا يجوز ـ لأجل ذلك ـ تكفيرهم ، أو منع الصلاة خلفهم ، وعليهم ، أو معاملتهم بغير ما يُعامل به المسلم الذي حرّم الله تعالى دمه ، وماله ، وعرضه ، لأنّهم من أهل «لا إله إلّا الله» التي يثقل بها ميزانهم يوم يقوم الناسُ للحساب ، مهما ارتكبوا من موبقاتٍ ، ومهما خرجوا عن الطريق ، وفعلوا وفعلوا ، كما يشهد بذلك حديث البطاقة[3] ـ وهو معروفٌ مشهور ، متداول بين أهل الحديث ، خصّه كثيرٌ منهم بالتأليف والتصنيف ـ لأنّه حديثٌ قاصمٌ لظهر كلّ من يريد أن يحجُر على أهل لا إله إلّا الله رحمةَ الله تعالى ، وفضلَه ، ومغفرتَه التي وعد بها قائلَها ، فيدخل الجنّة منهم من اتّبعه ، ورأى رأيه ، ويدخل النار من خالفه ، ولو كانت المخالفة في الأمور التافهة التي لا تُغني العامل بها ولا تسمنه من جوعٍ .
أقول : لا يجمل بالمسلم الناصح ، أن يسعى بين جماعة المسلمين ـ في هذا الوقت ـ بالتفرقة ، وبثّ الشقاق والخلاف في أمورٍ تافهة للغاية ، إثمها أكبر من نفعها ـ إن كان فيها نفعٌ ، وإلّا فإثمها محقّقٌ ـ وضررها قد ظهر للعَيان ، وأصاب ما تبقّى من هذه الطائفة المسلمة ـ طائفةِ أهل السُنّة والجماعة ـ في صميم مجتمعها بما نجَم عنه من الخلاف ، والتنافر ، والتناحر ، وتفريق الشمل ، واللمز بالتبديع ، بل والتكفير بما لا يُعدّ كفراً ولا بدعةً ، حتّى وصل ضرر ذلك إلى المصلّين في مساجدهم ، وأهلِ العلم في حلقة علمهم ودرسهم .
وكلّ ذلك ـ والعياذ بالله تعالى ـ بسبب هذه الأباطيل ، والخلافات الواهية ، التي كرّس لها المفتونون جهدهم بنشرها بين العامّة وضعفاء العقول من طلبة العلم ، فعمَّ البلاء بها ، واتّسع خرقها على الراقع ، وتنكّرت بسببها القلوب بعد أن كانت مؤتلفةً ، وبلغ الحال إلى تعدّد الجماعات في الوقت الواحد في المسجد الواحد ، وإلى إعراض الأب عن ابنه ، والابن عن أبيه ، ومخاصمة الأخ لأخيه ، ورمي المسلم أخاه بالبدعة والضلال ، والخروج عن الإسلام ، وترك التحيّة بينهما بالسلام؛ ولا حول ولا قوّة إلّا بالله .
ولنرجع إلى بيان جهل الألبانيّ فيما اعترض به على من وثّق الحارث ، فنقول :
إنّ الحارث ثقةٌ ، عدل ، رضيّ ، وثّقه جماعة السلف والخلف ، واعتمدوا على روايته ، واحتجّوا بحديثه ، لأنّه إمامٌ من أئمّة العلم والحديث في الكوفة .
وروى عنه الأكابر من رجال العلم ، وقدّمه أهل الكوفة على غيره في العلم ، وفي الصلاة بهم؛ في الوقت الذي كانت فيه عامرةً بسادات التابعين ، وأئمّة العلم والرواية ، حتّى كانوا يقدّمونه على المشاهير من أئمّة التابعين ، كعُبيدة السلمانيّ ، وعَلْقمة ، ومسروقٍ ، وشُرَيحٍ .
ولو لم يكن دليلٌ على توثيق الحارث ، وجَعْله في الطبقة الاُولى من أهل العدالة ، وتقديمه على أغلب رجال الصحيح إلّا هذا؛ لكان كافياً لأهل العلم في ذلك ، ومغنياً عن غيره من الأدلّة .
لأنّ من المقرّر عند أهل الحديث ، أنّ من الاُمور التي يعرف بها عدالة الراوي وكونه ثقةً ، شهرته بذلك بين أهل بلده ووطنه ، وربّما كان عندهم هذا أعلى وأرقى في التعديل والتوثيق من ثناء رجلٍ واحدٍ من أئمّة الجرح عليه .
وهو وجيهٌ من جهة النظر ـ كما لا يخفى ـ لما تفيده الشهرة من العلم بذلك ما لا يفيده تعديل الرجل الواحد .
وقليلٌ من الرواة الثقات من تكون لهم هذه المكانة في الشهرة بالعلم والرواية التي تغني عن الثناء عليه ، والنصّ على ذلك من إمام من أئمّة الجرح .
فلو قال قائلٌ : إنّ الحارث الهَمْدانيّ من الطبقة الأولى ، والدرجة المُثْلى في العدالة والضبط ، وإنّ حديثه من الصحّة والثبوت بما تقتضيه منزلته في ذلك؛ لكان صادقاً في قوله ، مؤيَّداً بالدليل الذي لا يمكن نقضه .
يُضاف إلى هذا توثيق الأئمّة من أهل عصره له ، وأخذهم عنه ، وشهادتهم له بالتفوّق في العلم على غيره .
وأوّل من اعتمد عليه في الرواية عنه ، والأخذ منه سيدا شباب أهل الجنّة ـ الحسن والحسين ـ عليهما السّلام .
فقد روى ابن سعدٍ في الطبقات[4] ، عن الشعبيّ ، قال : رأيت الحسن والحسين يسألان الحارث الأعور عن حديث عليٍّ .
ورواه أيضاً ابن أبي حاتم في «الجرح»[5] .
فهذا الشعبيّ ـ نفسه ـ يُخبر أنّه رأى الحسن والحسين عليهما السّلام يسألان الحارث عن حديث عليٍّ عليه السّلام . وفي هذا أعظم دليلٍ ، وأكبر حجّة ، وأقوى برهانٍ على أنّه ثقةٌ عندهما ، عنده من حديث عليٍّ ـ والدهماعليه السّلام ـ ما لا يوجد عند غيره .
قد يقول قائلٌ : إنّ الرواية عن شيخٍ لا تدلّ على كون الراوي عنه يوثّقه .
إلّا أنّا نقول : مثل الحسن والحسين في العلم والجلالة في الدين؛ لا يأخذ الحديث عمّن عُرف بالكذب وعدم الصدق في الرواية ، لأنّهما يعلمان قبح ذلك ، وأنّه لا فائدة في الأخذ عن الكذّاب ، بل فيه الإثم ، لأنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله يقول : «مَن حدّث عنّي بحديثٍ يرى أنّه كذبٌ فهو أحد الكذّابين»[6] .
ومن روى عن الكذّاب ونشر حديثه بين الناس فهو داخلٌ في هذا الوعيد ، وحاشا الحسن والحسين عليهما السّلام أن يجهلا هذا الوعيد ، أو يستخفّا بهذه الكبيرة ، حتّى يستجيزا الرواية عن الكذّاب .
فرواية الحسن والحسين عن الحارث تردّ طعن الشعبيّ فيه بالكذب ، وتظهر أنّه أراد به ـ إن سُلّم ذلك له ـ الكذب في الرأي ـ كما قال أحمد بن صالحٍ المصري[7] .
ولهذا قال الحافظ الكبير أبو حفص بن شاهين في «الجزء الذي ذكر فيه من اختلف فيه العلماء ونقّاد الحديث ، فمنهم من وثّقه ومنهم من ضعّفه ، ومن قيل فيه قولان» ـ وهو مطبوعٌ في آخر «تاريخ جرجان» ـ قال ـ بعد أن ذكر قول الشعبيّ : الحارث الأعور أحد الكذّابين ـ ما نصّه ـ :
قال أبو حفصٍ : وفي هذا الكلام من الشعبيّ في الحارث نظرٌ ، لأنّه قد روى ـ هو ـ أنّه رأى الحسن والحسين يسألان الحارث عن حديث عليٍّ ، وهذا يدلّ على أنّ الحارث صحيحٌ في الرواية عن عليٍّ ، ولولا ذلك لما كان الحسن والحسين ـ مع علمهما وفضلهما ـ يسألان الحارث ، لأنّه كان وقتَ الحارث مَنْ هو أرفع من الحارث من أصحاب عليٍّ ، فدلّ سؤالهما للحارث على صحّة روايته .
ومع ذلك ، فقد قال يحيى بن معين : ما زال المحدّثون يقبلون حديثه ، وهذا من قول يحيى بن معينٍ ـ الإمام في هذا الشأن ـ زيادةٌ لقبول حديث الحارث وثقته .
وقد وثّقه أحمد بن صالح المصريّ ـ إمام أهل مصر في الحديث ـ فقيل لأحمد ابن صالح : قولُ الشعبيّ : حدّثنا الحارث وكان كذّاباً؟ ، قال أحمد بن صالح : لم يكن بكذّابٍ ، وإنّما كان كذبه في رأيه ، انتهى كلام ابن شاهين في الجزء المذكور[8] . فمَن الذي يعترض ـ بعد هذا ـ على من يقول بتوثيق الحارث؟! .
وممّا لا شكّ فيه أنّ الحارث كان عنده من حديث عليٍّ عليه السّلام ما لا يوجد عند غيره ، كما يدلّ على ذلك ما رواه ابن سعدٍ[9] عن علباء بن أحمر : أنّ عليّ بن أبي طالبٍ عليه السّلام خطب الناس فقال : مَن يشتري علماً بدرهم؟ فاشترى الحارث الأعور صُحُفاً بدرهمٍ ، ثم جاء بها عليّاً ، فكتب له علماً كثيراً ، ثم إنّ عليّاً خطب الناس بعدُ فقال : يا أهل الكوفة ، غلبكم نصف رجلٍ .
وهذه أيضاً شهادةٌ من عليّ عليه السّلام بفضل الحارث ، وأنّه من أهل العلم الذين يؤخذ عنهم ، وأنّه غلب أهل الكوفة في العلم ، ولو كان متّهماً في ذلك لبيّن عليٌّ أمره ، وحذّرهم منه .
ولم يُوثَّق أحدٌ على لسان عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فوق المنبر ـ على رؤوس الناس ـ كما وُثّق الحارث ، وهذا هو السبب في كون أهل الكوفة كانوا يقدّمون الحارث الأعور في صلاتهم ، لأنّه كان أعلمهم بالسُنّة ، ومن كان كذلك فهو أولى بالإمامة .
وكانوا يقدّمونه في صلاتهم على الجنائز ، لأنّه أفضلهم ، وأهل الفضل أولى بالصلاة على الجنازة .
فقد روى ابن سعد في «الطبقات»[10] قال : أخبرنا الفضل بن دكين ، حدّثنا زهير بن معاوية ، عن أبي إسحاق : أنّه كان يصلّي خلف الحارث الأعور ، وكان إمام قومه ، وكان يصلّي على جنائزهم ، فكان يُسلّم ـ إذا صلّى على الجنازة ـ عن يمينه مرّةً واحدةً .
وهذا أيضاً هو السبب في كون أهل الكوفة كانوا يقدّمون الحارث الأعور على أئمّة العلم من أهل الكوفة ، كعُبيدة السلمانيّ ، وعلقمة ، ومسروقٍ ، وشُرَيحٍ .
قال ابن سيرين: أدركت الكوفة وهم يقدّمون خمسةً:من بدأبالحارث ثنّى بعُبيدة، ومن بدأ بعبيدة ثنّى بالحارث ، ثم علقمة الثالث لا شكّ فيه ، ثم مسروق ، ثم شريح .
قال ابن سيرين : إنّ قوماً آخرهم شريح لقوم لهم شأن[11] ، انتهى .
وفي بعض الروايات ، قال ابن سيرين : وإنّ قوماً آخرهم شريح لقومٌ خيار .
وفي اللفظ الذي ذكره الذهبيّ في «الميزان»[12] قال ابن سيرين : وفاتني الحارث فلم أره ، وكان يفضّل عليهم ، وكان أحسنهم ، انتهى .
وهذا أيضاً توثيقٌ من ابن سيرين ـ التابعي الجليل ـ للحارث ، وشهادته له بالفضل على عبيدة ومسروق وعلقمة وشريح ، فيضمّ إلى من وثّقه من أئمّة التابعين المعاصرين له .
وانظر كيف أخبر ابن سيرين بأنّ أهل الكوفة كانوا في شأن تقديم الحارث على عبيدة السلماني مختلفين ، منهم من يقدّمه على عُبيدة ، ومنهم من يقدّم عبيدة عليه؟
أمّا ابن سيرين ـ نفسه ـ فجزم بأنّ الحارث أفضل الخمسة وأحسنهم ـ كما ذكر الذهبي ذلك في ترجمة الحارث من الميزان[13] .
وعلى حسب رواية الذهبيّ ، فإنّ خلاف أهل الكوفة إنّما كان في الثلاثة أيّهم أفضل ، علقمة ومسروق وعبيدة ، وأمّا الحارث ، فكان مقدَّماً عندهم على الجميع ، ممّا يدلّ على علوّ مكانة الحارث في نفوسهم ، وأنّه مقدّمٌ على أكابر التابعين الكوفيّين .
وبالوقوف على ما كان لعبيدة وعلقمة ومسروق وشريح من المنزلة الرفيعة عند أهل الحديث والفقه من السلف ، لاسيّما المعاصرون لهم؛ يظهر لك منزلة الحارث في العدالة والثقة والتفوّق في العلم ، وأنّه ممّن يجب أن يكون في مقدّمة رجال الصحيح ، بل يجب أن يكون سنده عن عليّ عليه السّلام أصحّ الأسانيد من غير شكٍّ ، لأنّهم قالوا فيما ذكروه في أصح الأسانيد : محمّد بن سيرين ، عن عُبيدة السلماني ، عن عليٍّ .
فإذا ثبت عندنا أنّ الحارث كان مقدّماً عند أهل الكوفة على عبيدة ، وأنّه أفضل منه وأعلم ـ كما قال ابن سيرين ـ كان بلا شكٍّ ـ على ما يقتضيه النظر ـ أنّ حديثه عن عليٍّ عليه السّلام أصحّ من حديث عبيدة السلماني ، عنه .
وكذلك قالوا ـ فيما قالوه في أصحّ الأسانيد ـ : إبراهيم النخعيّ ، عن علقمة ، عن ابن مسعود .
فيقتضي هذا أيضاً أن يكون حديث الحارث عن ابن مسعودٍ أصحّ من حديث علقمة عنه ، لاتّفاق أهل الكوفة على تقديم الحارث على علقمة ـ كما حكى ابن سيرين ذلك من غير خلافٍ بينهم ـ بل ابن سيرين ـ نفسه ـ شهد بأنّ الحارث أفضلهم وأحسنهم .
وأمّا تكذيب الشعبيّ له ، فقد ردّه عليه أئمّة الجرح وحكموا ببطلانه ، بل جعلوا طعن إبراهيم النخعيّ في الشعبيّ؛ بكذبه في السماع من مسروقٍ عقوبةً من الله تعالى له ، حيث تعدّى على الحارث في لمزه بالكذب ، وقد ذكرتُ القصّة في «الباحث» .
وحتّى لو لم يردّ أحدٌ طعن الشعبيّ في الحارث فهو باطلٌ ، لأنّه غير مفسّرٍ ولا مبيَّن السبب ، وهو مردودٌ اتّفاقاً ، لاسيّما إذا كان معارضاً بالتوثيق ممّن هو أرجح منه ، وهو العدد الجمّ من الأئمّة الذين وثّقوه ، ورووا عنه ، وأثنوا عليه بالفقه والعلم وسعة الرواية ، حتّى فضّلوه ـ لأجل ذلك ـ على علقمة ومسروقٍ وشريحٍ ، بل وعبيدة السلمانيّ ـ كما ذكرنا ـ .
ولا يخرج تكذيب الشعبي له عن أن يكون من كلام الأقران في بعضهم بعضاً ، وذلك معروف مشهور بين أهل العلم ، وعقد له ابن عبدالبرّ في «جامع بيان العلم» باباً خاصّاً استوفى الكلام فيه على ذلك[14] .
ولذلك لم يلتفت أهل الجرح إلى مَنْ تُكلّم فيه بسبب المعاصرة ـ كما يُعلم ذلك من كتب الرجال ـ ولو عملوا بمقتضاه لما بقي في يدهم راوٍ واحدٍ يُحتجّ به .
بل قال الذهبيّ رحمه الله تعالى في مقدّمة رسالته في «الرواة الثقات المتكلّم فيهم بما لا يوجب ردّهم»[15] ـ بعد كلامٍ ـ ما نصّه :
وما زال يمرّ بي الرجل الثَبْت ، وفيه مقالُ من لا يُعبأ به ، ولو فتحنا هذا الباب على نفوسنا لدخل فيه عدّةٌ من الصحابة والتابعين والأئمّة ، فبعضُ الصحابة كفّر بعضهم بتأويلٍ مّا .
ثم قال بعد كلامٍ : وهكذا كثيرٌ من كلام الأقران بعضهم في بعضٍ ، ينبغي أن يُطوى ولا يُروى ، ويُطرح ولا يُجعل طعناً ، انتهى كلام الذهبيّ رحمه الله .
قلت : ولو عملنا بكلام الأقران في بعضهم البعض ، لطرحنا ـ لأجل ذلك ـ حديث الشعبيّ نفسه ، فقد كذّبه إبراهيم النخعيّ في دعواه السماع من مسروقٍ ، لاسيّما وقد فسّر جرحه له ، وبيّن سببه ، ومع ذلك لم يلتفت أحدٌ إلى كلام إبراهيم النخعيّ في الشعبيّ ، لأنّه صدر عن أمرٍ خارجٍ عن حقيقته ، فلا يُعتبر به .
وتكذيب الشعبي للحارث من هذا الباب ، فلذلك روى عنه الشعبيّ أيضاً ، وأخذ عنه العلم لمّا زال ما في نفسه عنه ، وذهب وَحَر صدره .
والشعبيّ رحمه الله تعالى كان سريع التكذيب والطعن في كلّ من حدّث بما لم يسمعه من الحديث ولم يبلغه .
ومعلومٌ أنّ الحارث كان أعلم بحديث عليٍّ عليه السّلام من الشعبيّ ، فلمّا سمع منه ما لم يبلغه من حديث عليّ عليه السّلام سارع إلى تكذيبه ، وهكذا حاله حتّى مع الصحابة ، فكيف بالحارث!؟ .
فقد نقل الحافظ الذهبيّ في ترجمة الشعبيّ من «تذكرة الحفاظ»[16] عن الحاكم ، عن ربيعة بن يزيد ، قال : قعدت إلى الشعبيّ بدمشق في خلافة عبدالملك ، فحدّث رجلٌ من الصحابة عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم أنّه قال : «اعبدوا ربّكم ولا تشركوا به شيئاً ، وأقيموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وأطيعوا الأمراء؛ فإن كان خيراً فلكم ، وإن كان شرّاً فعليهم وأنتم منه برآء» . فقال له الشعبيّ : كذبتَ .
فهذه القصّة فيها دليلٌ بَيِّنٌ على أنّ الشعبيّ كان سريع التكذيب لمن حدّث بما لم يبلغه ، فمن جعل طعن الشعبيّ في الحارث بالكذب حُجّةً فليجعله في تكذيب هذا الصحابيّ كذلك ، مع أنّي أكاد أجزم بأن تكذيب الشعبيّ للحارث إنّما هو من جهة رأيه لا غير ، وإلّا لما أخذ عنه وتعلّم منه ، وهو معدودٌ من الرواة عن الحارث .
لاسيّما والكذب لم يكن له سوقٌ بين التابعين ، ولا له رواجٌ على لسانهم ، وإذا وقع منهم فعلى سبيل الغلط والوهم والخطأ .
وهذا شأن عامّتهم ، فكيف بعلمائهم وساداتهم كالحارث!؟ .
وما صار التابعون يأخذون الحذر من الرواة ، ويحتاطون في الأخذ حتّى وقعت الفتنة ، فلمّا وقعت نظروا من كان من أهل السُنّة أخذوا حديثه ، ومن كان من أهل البدع تركوا حديثه ـ كما قال ابن سيرين رحمه الله تعالى .
وهذا الاحتياط لم يكن منهم لأجل انتشار الكذب بينهم ، وإنّما كان لأجل المذهب والخروج عن جماعة أهل السُنّة .
ثمّ بعد أن قرّرتُ هذا ، وسنح في الفهم عند كتابة هذه السطور ، وجدتُ الذهبيّ رحمه الله تعالى يقول في رسالته في «الثقات المتكلّم فيهم بما لا يوجب ردّهم»[17] : ـ بعد كلامٍ ـ ما نصّه :
وأمّا التابعون ، فيكاد يُعدم فيهم من يكذب عمداً ، ولكن لهم غلطٌ وأوهام ، فمَن ندر غلطه في جنب ما قد حصّل احتُمل ، ومَن تعدّد غلطه وكان من أوعية العلم اغتُفر له أيضاً ، ونُقل حديثه ، وعُمل به ـ على تردّدٍ بين الأئمّة الاثبات في الاحتجاج عمّن هذا نعته ـ كالحارث الأعور ، وعاصم بن ضمرة ، وصالحٍ مولى التوأمة ، وعطاء بن السائب ، ونحوهم؛ ومن فحش خطؤه ، وكثُر تفرّده لم يحتجّ بحديثه ، ولا يكاد يقع ذلك في التابعين الأوّلين ، ويوجد ذلك في صغار التابعين فمَن بعدهم ، انتهى كلامه .
فأفاد هذا التقرير من الحافظ الناقد المتقن الذهبيّ رحمه الله تعالى فيما يتعلّق بالحارث أموراً :
أوّلها : أنّ الحارث لم يكن كذّاباً ـ كما زعم الشعبيّ ـ لأنّ الكذب لم يكن يصدر من التابعين عمداً .
ثانيها : أنّ حديثه يُعمل به في الأحكام ، وينقل بين الناس ، ولهذا احتجّ أصحاب كتب السُنّة بحديثه؛ للمعنى الذي ذكره الذهبيّ ، والتردّد في ذلك لا يضرّ ، فقد ذكرتُ أنّ ذلك التردّد لا أساس له ولا دليل عليه ، وأنّ الحارث ثقةٌ يُعمل بحديثه قولاً واحداً على حسب القواعد المقررة .
ثالثها : أنّ الحارث لم يقع منه تفرّدٌ في حديثه ، وأنّه لم يكن ممّن فحش خطؤه ، وكثر وهمه ، لأنّه كان من التابعين الأوّلين ، وإنّما ذلك يوجد في صغار التابعين فمَن بعدهم .
فأين يذهب الألبانيّ من هذا الكلام الذي قرّره الذهبيّ الحافظ الناقد ـ الذي ما أتى بعد يحيى بن معين خبيرٌ بأحوال الرجال مثله ـ في شأن الحارث ، وحكمه فيه بأنّه ممّن يعمل بحديثه وينقل عنه!؟ .
ومعلومٌ أنّ الذهبيّ لم يكن له بالتشيّع صلة ، ولا له بالشيعة رابطة ، حتّى يُتّهم ـ هو الآخر ـ بأنّه قال ما قال لأجل تشيّعه .
فظهر من هذا أنّ الألبانيّ ليس له معرفةٌ بالرجال ، ولا له غوصٌ في نقد عبارات أهل الجرح ، وانّما شأنه قاصرٌ على جمع طرق الحديث ، وذكر الصفحات بأرقامها التي يوجد فيها الحديث لا غير ، وكون السند فيه ثقةٌ أو ضعيفٌ .
أمّا نقد الرجال ، والكلام على علل الحديث الخفيّة ـ التي هي أهمّ علوم الحديث ـ فهذا لا يعلمه ولا يدريه ، ولا شأن له به في كلامه على الأسانيد ـ كما يظهر من كتبه وتعاليقه ـ فتجده يصحّح ما هو موضوعٌ ، ويضعّف ما هو صحيح ، ويحكم بوقف ما هو مرفوعٌ .
ولكنّه اغترّ بفراغ الجوّ ، وخلوّ البلاد ممّن يشتغل بالحديث على الوجه الصحيح ، ولم يجد بين أهل العلم من يتفرّغ لبيان أوهامه وسقطاته وأغلاطه التي أرجو أن يهيّئ الله تعالى الفرصة لبيانها ، حتّى يعلم الطلبة أنّه محدّث الأوراق والصحف .
وأعظم دليلٍ على هذا ما وقع له في شأن الحارث ـ مع وقوفه على قول الذهبيّ في ترجمة الحارث في «الميزان»[18] : أنّ الجمهور على توهينه ـ فأخذ ذلك منه مسلِّماً ، ورأى أنّ ذلك هو الحقّ ، لأنّه ليس له أهليّةٌ لمعرفة صواب كلام أهل الجرح من خطئه ، وحقّه من باطله ، وإلّا لو كانت له أهليّةٌ وكفاءَ ةٌ ، وكان محدّثاً على طريق النُقّاد في الحارث : انّ الجمهور على توهينه؛ صوابٌ أم خطأ؟ حقٌّ أم باطلٌ؟ لأنّ الذهبيّ وإن كان حافظاً ناقداً لكنّه له أوهامٌ وأغلاطٌ في كلامه على بعض الرجال ، من لم يتنبّه لها يقع في حبالتها .
كما يقع له أيضاً أوهامٌ في تصحيح الأحاديث وتضعيفها ، وتساهلٌ في الكلام على أسانيدها ـ كما يعلم ذلك من قرأ «تلخيص المستدرك » له ـ ومن ذلك قوله في الحارث : إنّ الجمهور على توهينه ، فإنّه وهمٌ محضٌ ، وتسرّعٌ في القول لا غير .
ولو تتبّع الألبانيّ كلام أهل الجرح في الحارث ـ كما حصل لنا ـ ونظر في مخرج جرح المجرّحين له ، لعلم وتحقّق أنّ الجمهور ـ الذي قال الذهبيّ : أنّه اتّفق على توهين الحارث ـ لا يوجد إلّا في «الميزان» للذهبي رحمه الله تعالى ، وأنّه لا حقيقة له في الخارج مطلقاً ، كما يقولون في العنقاء .
لأنّ الجمهور الذي يخرج منه الحسن والحسين ، ومعهما والدهماعليهم السّلام وأهل الكوفة جميعاً ، وابن سيرين ، وسعيد بن جبيرٍ ، وابن معينٍ ، وأحمد بن صالحٍ المصريّ ، وحبيب بن أبي ثابت ، والنسائيّ ، وأبو بكر بن أبي داود ، وأبو حفص بن شاهين ، وابن عبد البرّ ، وغيرهم كثيرٌ ممّن وثّقه وأثنى عليه ، بل قال ابن معينٍ : ما زال المحدّثون يقبلون حديثه[19] .
الجمهور الذي يخرج منه هذا العدد الجمّ من أئمّة السلف والخلف ، لجديرٌ أن يُنْبَذ نَبْذ النواة ، ويُطرح في زوايا الترك والإهمال ، ويُسْدل عليه ستار النسيان .
ويكفي في ردّ دعوى الذهبيّ رحمه الله تعالى هذه؛ في كون الجمهور على توهين الحارث أنّه كان معدوداً من سُرُجِ الكوفة ـ كما قال سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه ـ . ولهذا ذكره أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى في فقهاء التابعين بالكوفة[20] ، وقد ذكر منهم علقمة بن قيسٍ ، والأسود بن يزيد بن قيسٍ ، والنخعيّ ، ومسروقاً وشريح بن الحارث القاضي ، والحارث الأعور .
وقال ـ بعد أن ترجم لهؤلاء الستّة ـ ما نصّه : وهؤلاء الستّة الذين ذكرناهم أصحاب عبد الله بن مسعودٍ .
وقال سعيد بن جبيرٍ : كان أصحاب عبدالله سُرُج هذه القرية .
وقال فيهم الشاعر :

وابن مسعود الذي سُرُج الـ

ـقرية أصحابه ذوو الأحلام

وله جماعة من غير هؤلاء من الأصحاب .
قال الشعبيّ : ما كان من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم أفقه صاحباً من عبدالله بن مسعود[21] .
وقد اقتصر أبو إسحاق الشيرازي في هذه الطبقات على ذكر فقهاء الأمصار الذين لا يسع الفقيه جهلهم؛ لحاجته إليهم في معرفة من يُعتبر قوله في انعقاد الإجماع ، ويُعتدّ به في الخلاف ، وذكر ما دلّ على علمهم من ثناء الفضلاء عليهم[22] .
فالذي يتمسّك بقول الذهبيّ في توهين الحارث ـ بعد هذا ـ هو الواهي حقيقةً .
وأرى أنّ الذهبيّ ـ نفسه ـ رحمه الله تعالى ناقضَ نفسَه في دعواه توهين الجمهور للحارث ، حيث قال في كلامه السابق الذي ذكره في رسالة «الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردّهم»[23] : إنّ الحارث وشبهه يُعمل بحديثه وينقل؛ على تردّدٍ بين الأئمّة الأثبات في الاحتجاج عمّن هذا نعته .
فجعله ممّن تردّد الأئمّة في الاحتجاج به ، وهذا يردّ دعوى توهين الجمهور له .
وكذلك ناقض الذهبيّ نفسه حيث قال : مع روايتهم لحديثه في الأبواب ، وهذا الشعبيّ يكذّبه ثمّ يروي عنه ، والظاهر أنّه يكذب في لهجته وحكاياته ، وأمّا في الحديث النبويّ فلا ، وكان من أوعية العلم . . . إلى آخر كلامه المذكور في الميزان[24] . فرواية أهل الحديث لحديثه في الأبواب دليلٌ على أنّه لم يوهّنوه ، كما ذكرت ذلك في «الباحث» .
وأمّا قوله : «والظاهر أنّه كان يكذب في لهجته» فباطلٌ أيضاً ، بل من أبطل الباطل . لأنّ المقرَّر عند أهل الحديث أنّ الراوي إذا كان يكذب في لهجته وكلامه ولا يكذب في حديثه فروايته أيضاً غير مقبولةٍ ، لأنّ العدالة لا تتجزّأ ولا تتبعّض ، فلا يكون الراوي ثقةً عدلاً في جهة ، وكذّاباً فاسقاً في جهةٍ أخرى ، وهذا ممّا تشترك فيه الرواية مع الشهادة .
بخلاف الضبط ، فقد يكون الراوي ضابطاً في شيخٍ ، ضعيفاً في آخر ، كما هو معلومٌ لصغار الطلبة .
أمّا العدالة فلا تتبعّض ولا تتجزّأ مطلقاً ، لاسيّما وقد قالوا في تعريف الثقة : هو الذي يجتنب الكبائر ، ولا يتظاهر بخوارم المروء ة .
وهل هناك كبيرةٌ أعظم وأقبح من الكذب ، والإخبار بغير الواقع!؟ وإن كان بعض رجال الحديث قَبِلَ رواية الرجل الذي يكذب في لهجته وكلامه ، ولا يكذب في حديثه ، وذلك مذكورٌ في المصطلح .
ويظهر أنّ الذهبيّ رحمه الله تعالى مشى على هذا القول في توجيه طعن الشعبيّ بالكذب في الحارث ، وهو مردودٌ عقلاً ونقلاً ، ولا يتمشّى مع القواعد المقرّرة؛ فكن منه على بالٍ .
والمقصود بعد هذا ، أنّ الحارث ثقةٌ عدلٌ رضيٌّ ، وثّقه الأئمّة من رجال السلف والخلف .
بل لو قلت : الاتّفاق قد حصل ووقع على توثيقه ، إلّا ما شذّ من الأقوال المخالفة للجمهور لكنت صادقاً في ذلك؛ ومن خالف الجمهور في ذلك فخلافه مردودٌ بما تقتضيه القواعد المقرّرة التي لا يمكن نقضها وردّها ، كما بيّنت ذلك في «الباحث» .
ولأجل ذلك احتجّ به أصحاب السنن ، وذكروا حديثه في الأبواب ، فإنّه لا معنى لذلك إلّا كونه حجّةً صالحاً للعمل ، بل قال الذهبيّ في «الميزان»[25] : والنسائيّ ـ مع تعنّته في الرجال ـ قد احتجّ به .
وهذه شهادةٌ من النسائيّ بأنّ الطعن الذي وقع في الحارث ، مردودٌ غير مقبول ، ولا يُلتفت إليه ، لأنّه ما دام متعنّتاً في الرجال ـ والمتعنِّت المتشدِّد ـ يردّ حديث الراوي بما لا يكون جرحاً ، فكيف إذا جرح بالكذب!؟ .
فاحتجاجه بالحارث ـ مع هذا ـ دليلٌ واضحٌ على أنّه ثقة؛ وأنّ الطعن الذي قيل فيه لا أساس له يُستند عليه ، وأنّ حديثه صحيحٌ كسائر أحاديث الثقات .
ولهذا صرّح بصحّته الإمام حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البرّ رحمه الله تعالى حيث قال في «التمهيد»[26] في الكلام على الصلاة الوسطى ـ بعد كلامٍ ـ ما نصّه : والصحيح عن عليٍّ من وجوهٍ شتّى صحاحٍ ـ أنّه قال في الصلاة الوسطى : صلاة العصر ، وروي ذلك عن النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم ، رواه عنه جماعة من أصحابه ، منهم عبيدة السلماني ، وشتير بن شكل ، ويحيى الجزّاز ، والحارث ، والأحاديث في ذلك صحاح ثابتة ، أسانيدها حسان ، انتهى .
والألبانيّ لشذوذه وجهله بالجرح والتعديل ، وأخذه الأقوال في ذلك من غير نقدٍ لها ولا بحثٍ ولا تحقيقٍ ولا تمحيصٍ؛ خالف عمل هؤلاء الأئمّة من السلف والخلف في توثيق الحارث وتصحيح حديثه ، وصار يحكم على حديث الحارث بالوضع اغتراراً منه بكلام الذهبيّ في دعواه أنّ الجمهور على توهينه .
كما وقع منه في كلامه على حديث : «الأنبياء قادة ، والفقهاء سادة ، ومجالستهم زيادة» فقد ذكره في «الضعيفة»[27] وقال : موضوع ، أخرجه الدارقطنيّ ، والقضاعي في «مسند الشهاب» من طريق أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن عليّ بن أبي طالبٍ مرفوعاً .
ثمّ قال الألبانيّ : وهذا سندٌ ضعيفٌ جدّاً ، الحارث : هو ابن عبدالله الهمدانيّ الأعور ، قد ضعّفه الجمهور .
وقال ابن المديني : كذّاب .
وقال شعبة : لم يسمع أبو إسحاق منه إلّا أربعة أحاديث . . . إلى آخر كلامه .
وقد أظهر في هذا الكلام من الجهل ما يضحك منه صغار الطلبة ، لأنّه فضح به نفسه ، وأظهر للناس صدق قولنا فيه : إنّه محدّث الأوراق والصحف ، ولا يغوص لاستخراج علل أسانيد الأحاديث الخفيّة ، ولا يتتبّع الطرق ويعتبر بها ـ كما هو مقرّرٌ عند أهل هذا العلم ـ وإنّما غايته ـ كغيره ممّن يتعاطى الاشتغال بالحديث ـ أن يرجع إلى رجلٍ من رجال السند ، فيكتفي بما قيل فيه في الطعن في الحديث ، وإن كان ذلك الراوي المسكين لا ناقة له ولا جمل في علّة الحديث ، وهذا صنيع المبتدئين البسطاء في هذا الفن .
ولبيان تهوّره هذا أقول : إنّ الحارث بري ءٌ من هذا الحديث براء ة الذئب من دم يوسف ، ولا علاقة له به مطلقاً .
والألبانيّ أوقعه في هذا الخطأ القبيح والغلط الشنيع ، تقليده لأبي الطيّب العظيم آبادي؛ فهو الذي اقتصر على إلصاق التهمة في هذا الحديث بالحارث في كتابه : «التعليق المغني على الدارقطني»[28] وذلك قصورٌ منه .
واعتماد الألبانيّ عليه ـ لعدم وصوله إلى درجة الاجتهاد في الكلام على الرجال ـ أوقعه ـ كما قلنا ـ فيما كشف به عن جهله .
وذلك أنّ الحديث رواه الدارقطنيّ في آخر كتاب البيوع من «سننه»[29] والخطيب في «الفقيه والمتفقه»[30] من طريق الهيثم بن موسى المروزيّ ، عن عبدالعزيز بن الحصين بن الترجمان ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن عليّ عليه السّلام به مرفوعاً .
فالقاعدة المقرّرة عند أهل العلم بالحديث ، والأمر الذي عليه العمل عندهم ـ وهو الذي يقتضيه النظر أيضاً ـ أنّ الحديث يجب أن يعلَّل ـ أوّلاً ـ بالهيثم ابن موسى المروزيّ المجهول ، فإنّي لم أقف له على ترجمةٍ فيما لديّ من كتب الرجال ، وإنّما الذي وجدته عنه هو ذكر الخطيب له في «تاريخ بغداد» في ترجمة إسحاق بن البهلول[31] ، حيث ذكره في شيوخ إسحاق بن البهلول الذين أخذ عنهم الفقه ، فقال : وذكر أهله أنّه كان فقيهاً ، حمل الفقه عن الحسن بن زياد اللؤلئي ، وعن الهيثم بن موسى صاحب أبي يوسف القاضي .
فهذا ما وجدته عنه ، فالرجل في عداد المجهولين فيما يظهر .
فكان يجب على الألبانيّ ـ لو كان بصيراً بنقد الأسانيد ـ أن يبدأ في الكلام على سند الحديث الذي أعلّه بالحارث؛ من أوّله ليسلم له التعليل ، وإلّا فما دام السند لم يثبت إلى الحارث ، فمَن قال له : إنّه من صنعه!؟ هذا لايقوله طالبٌ في هذا العلم أبداً .
ثمّ بعد هذا هناك علّة أكبر من علّة وجود هذا الرجل المجهول ، وهي علّة العلل التي يجزم بسببها طالب الحديث بأنّ الحارث بري ءٌ من هذا الحديث ، وأنّه لا يرميه به إلّا الرجل العامّيّ في هذا العلم .
وهذه العلّة هي عبدالعزيز بن الحصين بن الترجمان ، شيخ الهيثم بن موسى ، فإنّه ضعيفٌ جدّاً .
قال البخاريّ : ليس بالقويّ عندهم .
وقال ابن معينٍ : ضعيف .
وقال مسلم : ذاهب الحديث .
وقال ابن عديّ : الضعف على رواياته بيِّن .
وقال أبو داود : متروك الحديث .
وقال أبو القاسم البغويّ : ضعيف الحديث .
وقال أبو زرعة الدمشقي : سألت أبا مسهر ، فقلت : عبد العزيز بن الحصين ممّن يؤخذ عنه؟ فقال : أمّا أهل الحزم فلا يفعلون .
وقال ابن المدينيّ : روى عنه معنٌ وغيره ، بلاءٌ من البلاء ، وضعّفه جدّاً .
وقال النسائيّ في «التمييز» : ليس بثقةٍ ، ولا يكتب حديثه .
قال الحافظ في «اللسان» : وأعجب من كل ما تقدّم أنّ الحاكم أخرج له في «المستدرك» وقال : إنّه ثقة[32] .
وقال الذهبي في «المغني»[33] : ضعّفه يحيى والناس ، وكذلك قال في «ديوان الضعفاء»[34] .
فوجود عبد العزيز بن الحصين هذا ، هو الذي يجب أن يعلّل به الحديث ، كما هي قاعدة أهل العلم في مثل هذا ، لأنّه لم يوثّقه أحدٌ ، وقيل فيه : إنّه متروك غير ثقة .
فكيف يترك تعليل السند به ، ويرحل إلى الحارث الذي وثّقه الجمهور ـ كما قلنا ـ وعمل أهل السُنّة بحديثه ، واحتجّوا به ، كأنّه لا يوجد ضعيف في السند إلا هو!؟ .
فتنبّه لهذا تعلم قصور الألبانيّ في كلامه على أسانيد الحديث ، وأنّه صحفيٌّ لا غير .
وحتّى لو سلّمنا له أنّ الحارث ضعيفٌ وكذّابٌ ـ كما قال ـ ولكن مَن يُثبت لنا أنّه هو صاحب الحديث ، ما دام الطريق إليه فيها متروك وغير ثقة؟! .
ولو سلّمنا له سلامة السند من كلّ هذا ، وأنّ التهمة فيه من جهة الحارث وحده ، ولكن ما زالت في الطريق إلى إلصاق التهمة بالحارث علّةٌ أخرى تحول عند أهل الحديث دون إلصاق التهمة به ، وهذه العلّة هي تدليس أبي إسحاق السبيعيّ ، فإنّه كان مدلّساً ، وقد عنعن في روايته عن الحارث ، وعنعنة المدلّس لا يقبلها أحدٌ من أهل العلم مطلقاً ، لا عند المحدّثين ولا عند غيرهم .
وأبو إسحاق السبيعي ذكره الحافظ رحمه الله تعالى في المرتبة الثالثة من «طبقات المدلّسين»[35] وقال : مشهورٌ بالتدليس .
بل نقل الحافظ في «تهذيب التهذيب»[36] عن الجوزجانيّ أنّه قال : كان قومٌ من أهل الكوفة لا تُحْمد مذاهبهم ـ يعني التشيّع ـ هم رؤوس محدّثي الكوفة : أبو إسحاق ، والأعمش ، ومنصور ، وزبيد ، وغيرهم من أقرانهم؛ احتملهم الناس على صدق ألسنتهم في الحديث ، ووقفوا عندما أرسلوا ، لما خافوا أن لا تكون مخارجها صحيحة .
فأمّا أبو إسحاق ، فروى عن قومٍ لا يُعرفون ، ولم ينتشر عنهم عند أهل العلم إلّا ما حكى أبو إسحاق عنهم .
وهذا الكلام الذي قاله الجوزجانيّ ـ وإن كان مردوداً من جهة الطعن بالتشيّع ـ فإنّه أخبر فيه بأنّ أبا إسحاق يروي عمّن لا يُعرف ، ويُرسل عنهم ، فيجب ـ على قوله هذا ـ ترك عنعنته ـ كما هو معلومٌ ـ لاحتمال أنّه أخذه عمّن لا يعرف، ولهذا قال معنٌ: أفسد حديث أهل الكوفة الأعمش وأبو إسحاق للتدليس.
فهذه العلّة ـ وحدها ـ تدفع التهمة عن الحارث ، وتظهر أنّ من ضعّف الحديث بسببه بعيدٌ عن صناعة الحديث بُعْد السماء عن الأرض .
ومن الأمور التي تدلّ على قصور الألبانيّ؛ أنّه اقتصر ـ في كلامه على الحارث ـ على قوله : ضعّفه الجمهور ، وقال ابن المدينيّ : كذابٌ ، وتَرَك ذكر العدد الكبير الذي وثّقه وأثنى عليه ، كما ذُكر ذلك في ترجمة الحارث من كتب الجرح ، وقد ذكرت ذلك فيما سبق .
والمقرّر عند المحدّثين والذي عليه عملهم؛ أنّه يجب أن يذكر في الراوي ما قيل فيه من جرحٍ وتعديلٍ ، ومدحٍ وذمٍّ ، ليُعرف منزلة قول الجارح من المادح ، فإنّ عبارات المجرّحين يظهر الخلل فيها من أقوال الموثّقين للراوي نفسه ـ كما هو معلوم ـ ولعلّي أشرت إلى هذا في «الباحث» .
من ذلك : أنّ الجرح لا يُقبل إلّا مفسَّراً ـ كما أجمع عليه أهل النقد من أهل الحديث ـ اللهمّ إلّا إذا كان الراوي لم يوثَّق مطلقاً ، أمّا إذا كان الراوي وثّقه جماعة ، وجرحه آخرون بجرحٍ غير مفسَّر ، فالجرح مردودٌ غير مقبولٍ قولاً واحداً بدون خلافٍ من أحدٍ ـ كما هو الحال في الحارث ـ فإنّ المجرّحين له لم يفسّروا جرحهم له ، ولم يبيّنوا أسبابه ، فيُطرح جرحهم ويترك ، ويُعمل بقول من وثّقه ، وهو الجمهور من السلف والخلف .
ولكنّ الألبانيّ اقتصر على قوله : «إنّه كذّاب» و«الجمهور على تضعيفه» ونحن لا نكون مثله ، فنقول :
إنّه يُشمّ منه رائحة النصب ، وقد عابوا على ابن الجوزيّ في كتابه في الرجال صنيعه الذي تفرّد به عن أهل الحديث ، وهو الاقتصار على ذكر ما قيل في الرجل من الجرح دون التعديل ، لأنّ ذلك ينافي الأمانة أوّلاً ، ويضلّل الباحث عن حال الرجال ثانياً .
وممّا يُضحك ، ويجعل حبوتك تنحلّ عجباً من هذا الألبانيّ؛ أنّه جعل قول شعبة : «لم يسمع أبو إسحاق منه إلّا أربعة أحاديث» ممّا يجرح به الحارث ، مع أنّ هذا لا دخل له في باب الجرح مطلقاً عند أهل الحديث النقّاد ، وإنّما هو إخبار عن كون أبي إسحاق لم يكن من المكثرين عن الحارث لا غير ، كما أنّ عدداً من المشاهير الثقات من رجال الصحيح لم يروِ عنهم بعض الأئمّة إلّا حديثاً واحداً ، فضلاً عن أربعةٍ ، ولم يقل أحدٌ إنّ ذلك جرحٌ لهم ، وهذا موضوعٌ معروفٌ بين أهل الحديث ، وألّفوا فيه التآليف ، بل يوجد هذا حتّى في الصحابة ، ففيهم عددٌ كبيرٌ لم يروِ عنهم الرواة إلّا حديثاً واحداً ، أو ثلاثةً ، أو أربعةً .
وحتّى لو سلّمنا للألبانيّ فهمه ، فإنّ هذا يكون حجّةً عليه في رمي الحارث بهذا الحديث ، لأنّه يدلّ على أنّ أبا إسحاق لم يسمع هذا الحديث من الحارث ، فلماذا يرميه به إذن ، ويتّهمه بوضعه هذا؟! والله إنّه الدخول فيما لا يحسنه الإنسان .
ومن جهله أيضاً؛ ظنّه أنّ توثيق الراوي لشيخه لا يتمّ حتّى يروي عنه العدد الكبير من الأحاديث ، ولهذا اعتمد على قول شعبة هذا ، مع أنّ هذا الشرط لا تجده إلّا في مخيّلة الألبانيّ ، وإلّا فلا فرق في ذلك بين أن يروي عن شيخٍ حديثاً واحداً أو مئةً في الدلالة على كونه ثقةً عنده ـ إن قلنا إنّ الرواية عن شيخٍ تدلّ على كونه ثقةً عند الراوي عنه ، والمسألة فيها نزاعٌ شهيرٌ مذكورٌ في محلّه ـ .
ثمّ ممّا يعرّفك بضعف الألبانيّ في هذا العلم ، وقصوره فيه ، وعدم اتّباعه للمقرّر فيه عند أهله؛ أنّه حكم على الحديث أوّلاً بأنّه موضوع ، ثم قال[37] ـ بعد أن ذكر سند الحديث الذي علّقه من طريق أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن عليّ بن أبي طالب ـ : وهذا سندٌ ضعيف جدّاً .
فحكمه ـ أوّلاً ـ بأنّ الحديث موضوعٌ ـ وهو شرّ الضعيف ، لأنّه لا درجة بعده مطلقاً ـ ثم حكمه على السند بأنّه ضعيف جدّاً ـ ثانياً ـ تناقضٌ عظيمٌ ، وجهلٌ كبيرٌ ، يعلمه طلبة «نخبة الفكر» لأنّ السند الضعيف جدّاً لا يصل أن يكون به الحديث موضوعاً ، بل يحتمل أن يكون واهياً يرتفع إلى درجة الضعيف ، بخلاف الحديث الموضوع ، فإنّه لا يرتفع إلى درجة الضعيف مطلقاً ، ولا تنفع فيه المتابعات والشواهد ، وهذا أمرٌ معلومٌ لا يحتاج إلى شرحه للألبانيّ ، وعليه بقراء ة «النخبة» ليعلمه .
وفي الوقت الذي نجد فيه الألبانيّ يرفض الاعتماد في التصحيح والتضعيف على الحفّاظ النقّاد ـ لأنّ ذلك يكون غالباً فيما لا يوافق هواه ، ولا يتمشّى مع رأيه ـ نراه هنا يؤيّد قوله ورأيه في الحارث بما لا يعدّ تأييداً عند العلماء ، وذلك في قوله : وفي «الكشف» قال القاري : هو موضوعٌ كما في «الخلاصة»[38] .
كأنّ الألبانيّ يُرهب خصومه ، ويرفع في وجههم السلاح الفتّاك إذا أرادوا معارضته في الحكم على الحارث بالكذب بقول القاري : هو موضوع ، كأنّ القاري ـ رحمه الله تعالى ـ يحيى بن معينٍ ، أو عليّ بن المدينيّ ، أو الحافظ ابن حجرٍ ، أو المنذريّ رضي الله عنهم جميعاً ، مع أنّه لا يُعدّ في هذا العلم شيئاً مذكوراً ، ولا هو فيه بالرتبة التي يُذكر بسببها بين أهل الحديث ـ كما تدلّ على ذلك كتبه ومصنفاته ـ بل إذا رأيت الذي يشتغل بالحديث يذكر في كتبه القاري ـ محتجّاً به ، ومستشهداً بكلامه ـ فاعلم أنّه لا يأتي منه شي ءٌ في هذا العلم .
وفي الختام أراد الألبانيّ أن يُجهز على الحديث مرّةً واحدةً ، ولا يدع للنزاع معه طريقاً ، فتناول الطعن في الحديث من جهة معناه ، فقال : ولوائح الوضع عليه ظاهرة .
وهذا منه مجرّد تحكّمٍ بالهوى ، ودفعٍ بالصدر؛ وإلّا فما الذي يلوح عليه من علامات الوضع؟ ومعناه واضحٌ ظاهرٌ لذي عينين ، وورد ما يشهد له في أحاديث كثيرة ، وورد موقوفاً عن أبي مسعودٍ بلفظ : المتّقون سادةٌ ، والفقهاء قادةٌ ، ومجالستهم زيادةٌ ، رواه الطبراني في «الكبير» .
وقال الهيثميّ في «المجمع»[39] : ورجاله موثّقون .
فالحكم على الحديث بأنّ لوائح الوضع عليه ظاهرة ، من غير أن يكون هناك دليلٌ شرعيٌّ يشهد بفساد ذلك المعنى ، أو دليلٌ عقليٌّ قاطعٌ على ذلك؛ جرأةٌ عظيمةٌ من صاحبه ، وهو يفتح الباب أمام الجهلة المتنطّعين لردّ الأحاديث الثابتة لمجرّد عدم فهمهم لمعناها ، وقصور عقلهم عن إدراك مراد الشارع منها .
وبعد؛ فقد تبيّن ممّا ذكرناه في هذه السطور ، وأشرنا إليه في هذه الورقات اليسيرة؛ أنّ القول بأنّ الحارث ثقة ، هو قول الجمهور ، وهو الذي مشى عليه أصحاب السنن ، وعليه كان أهل الكوفة ، وقد كانت عامرةً بالأئمّة من علماء التابعين وفقهائهم وغيرهم ، وأنّ القول بأنّه غير ثقةٍ لا نصيبَ له من الصواب ، لأنّه لا يؤيّده دليلٌ ولا برهانٌ ، ولا تشهد له قواعد علم الحديث التي يُحتكم إليها عند الخلاف ، ويرجع إلى فصلها عند النزاع ، وإن كان الألبانيّ لا يقول بقاعدةٍ ، ولا يرجع إلى أصلٍ يحتكم إليه ، وهو يخترع القواعد على حسب ما يظهر له ويريد فهمه ، ولهذا تجده في كلامه على الأحاديث يصحّح ويضعّف ، ويُثبت ويُبطل بما يخالفه هو ـ نفسه ـ إذا اقتضى نظره وجداله وخصامه ولَدَدُه ذلك ، لأنّ قواعده مبعثرة ، فلا هي تابعةٌ لأهل الحديث ، ولا لأهل الأصول ، ولا للفقهاء .
وغرضه بذلك الهرب من الوقوع في يد خصمه إذا وقع في نزاعٍ فيما يختاره من الأقوال الشاذّة الواهية ، وهي كثيرةٌ في صفة صلاته ، وتجهيز جنازته ، وحجاب امرأته ، وحلية نسائه ، وسلسلة أحاديثه؛ بحيث لو تتبّعها الإنسان لأخرج منها كتاباً مفيداً للفكاهة وقت الاستراحة من العمل الشاقّ؛ يصلح أن يكون ذيلاً لكتاب : «أخبار الحمقى والمغفّلين» لابن الجوزيّ رحمه الله تعالى .
ومن شذوذه المضحك؛ ما وقع منه في شأن الحارث من جزمه بكذبه ، واعتراضه عليَّ في توثيقي له ، الأمر الذي يوهم الغِرّ المبتدئ أنّي تفرّدت بذلك عن الجمهور ، وهو اعتراضٌ ـ كما قلت ـ يُنبئ عن جهلٍ ، وعجزٍ ، وقلّة اطّلاعٍ ، وتهجّمٍ على القول لمجرّد النزاع والجدال ونشر الخصام لا غير .
ولولا أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم يقول : «اتركوا الترك»[40] لخضنا معه في بيان أوهامه الساقطة ، وأقواله الخارجة عن إجماع المسلمين؛ في المصطلح والحديث وفي الأصول ـ الذي يظهر من كلامه فيه أنّه لا يُتقنه ، ولا يُحسن معرفته ، ولذلك يخالف قواعده المقرّرة عند أهله ـ .
وكذلك أقواله في الفروع التي خالف فيها إجماع السلف والخلف رغبةً في التفرقة وبثّ الشقاق والخلاف فيما لا يفيد ولا ينفع المسلمين ، بل يضرّهم وينفع غيرهم ، الأمر الذي يدلّ على دَغَلٍ ـ والعياذ بالله تعالى ـ .
وكذلك أقواله الشائنة فيما يتعلّق بذات الله تعالى ، ممّا يدلّ على أنّه لا يعرف ما يستحيل وصف الحقّ تعالى به ، كقوله : العصمة لله تعالى .
وهي كلمةٌ لا تصدر إلّا من جهلة العوامّ ، ومن دخل في دين الإسلام عن كِبْرٍ ، ولكن يكفي من ذلك ما ذكرناه وأشرنا إليه ، وقد قالوا : يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق ، وبالله تعالى التوفيق ، ومنه وحده المعونة والتأييد .

فصل
وأمّا قصوره الذي أظهره في الاعتراض عليّ في توثيق الحارث لكونه شيعيّاً ، فهو أنّ توثيق الشيعيّ ليس بأمرٍ منكرٍ ، ولا بالطريق الصعب ، ولا بالسبيل الوعر ، بل الراوي الشيعيّ كغيره من الرواة ، إن كان ثقةً ضابطاً فحديثه صحيحٌ مقبولٌ ، يجب الأخذ به ويحرم ردّه ، وعلى هذا عمل أهل الحديث قاطبةً ، وفي مقدّمتهم الإمامان : البخاريّ ومسلمٌ .
فلا يُحصى كم عددُ رواتهما من الشيعة ، بل ممّن وُصفوا بالغلوّ في التشيّع ، فإخراج أحاديثهم في صحيحيهما أعظم دليلٍ على أنّ الشيعيّ كغيره من الرواة في صحّة حديثه إذا ثبت عدالته وضبطه ، وكتب الرجال ، كـ «تهذيب الكمال» و«تهذيب التهذيب» و«الميزان» و«لسان الميزان» وغيرها ، مملوء ةٌ بالرواة الشيعة الذين وثّقهم أئمّة الجرح والتعديل .
بل تجد الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى يذكر في «لسان الميزان» رجالاً من الشيعة؛ ينقلهم من كتب رجال الشيعة للكشّيّ والنجاشيّ ، وينصّ على توثيقهم ، ولو تتبّع الإنسان «اللسان» لأخرج عدداً كبيراً منهم .
فلايَرُدُّ حديث الثقة الشيعيّ إلّا من قصر نظره ، وقلّ علمه ، ولم يدر ما اتّفق عليه أئمّة الحديث والسُنّة من الاحتجاج بحديث الشيعيّ الثقة .
وكيف يردّون حديثه ولا يوثّقونه لأجل تشيّعه ، والتشيّع كان فاشياً في التابعين؟! فلو رُدّ حديث الثقة الموصوف بالتشيّع لرددنا ـ من أجل ذلك ـ جملةً كبيرةً من أحاديث التابعين ، وبذلك يذهب عددٌ كبيرٌ من الأحكام الشرعية أدراج الرياح ، وهذا لا يقول به أحدٌ ، ولم يقل به أحدٌ ، ولن يقول به أحدٌ ، اللهمّ إلّا الرجل القصير النظر ، الذي لا يميّز بين الليل والنهار .
قال الذهبيّ رحمه الله تعالى في ترجمة أبان بن تغلب[41] : شيعيّ جلد ، لكنّه صدوق؛ فلنا صدقه ، وعليه بدعته .
ثمّ قال ـ بعد أن ذكر من وثّقه من الأئمّة ـ ما نصّه : غلوّ التشيّع ، أو التشيّع بلا غلوٍّ ولا تحرّف؛ فهذا كثيرٌ في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق ، فلو رُدَّ حديث هؤلاء لذهبت جملة الآثار النبويّة ، وهذه مفسدةٌ بيِّنةٌ .
فردّ حديث الشيعيّ الثقة مفسدةٌ بيِّنةٌ ـ كما قال الذهبيّ رحمه الله تعالى ـ لما يترتّب على ذلك من ذهاب جملةٍ من الأحاديث النبويّة ، فلهذا كان عمل أهل الحديث ـ سلفاً وخلفاً ، وفي مقدّمتهم : البخاريّ ومسلم ـ على الاحتجاج بحديث الشيعيّ الثقة .
فمن رَدَّ حديثه ، ورأى توثيقه منكَراً ، وعملاً غير مشروعٍ ، وأمراً لا يجوز؛ فهو شاذٌ ، خارجٌ عن إجماع أهل الحديث؛ فلا يُعتبر به ، ولا يلتفت إلى كلامه ، وصدور ذلك منه يدلّ على قصوره في علم الحديث ، وعدم معرفته بما أجمعوا عليه من مسائله بينهم .
ويكفي في الدلالة على أنّ الشيعيّ محتجٌّ بحديثه ، مقبولُ الرواية ـ إذا كان ثقةً ـ وأنّ هذا هو الذي عليه جماعةُ أهل الحديث ، واتّفقت الأمة معهم في ذلك؛ إخراج البخاريّ ومسلمٍ لحديثه ، فإنّ ذلك دليلٌ على إطباق الأمة ـ سلفها وخلفها ـ على الاحتجاج بالشيعيّ ، لإطباق الأمّة على قبول حديث الصحيحين ، والاحتجاج بهما ، والحكم عليهما بأنّهما أصحّ الكتب بعد القرآن[42] .
فهذا ـ وحده ـ كافٍ في كون الشيعيّ الثقة مجمعاً على الاحتجاج به ، مقبولَ الرواية ، ومن خالف ذلك فقد خرج عن هذا الإجماع ، وسلك غير سبيل المؤمنين ، وفتح باباً للطعن في هذا الإجماع ووردّ ما أجمعت الأمّة على قبوله ، والله تعالى يقول : {وَمَنْ يَتَّبعْ غَيْرَ سَبيلِ المؤمنينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ}[43] وكفى هذا فساداً لقول الألبانيّ في الاعتراض على توثيق الحارث الشيعي .
قال الحافظ رحمه الله تعالى في مقدمة «الفتح»[44] : ينبغي لكلّ منصفٍ أن يعلم أنّ تخريج صاحب الصحيح لأيّ راوٍ كان مقتضٍ لعدالته عنده ، وصحّة ضبطه ، وعدم غفلته؛ ولاسيّما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمّة على تسمية الكتابين بالصحيحين ، وهذا معنىً لم يحصل لغير مَن خُرّج عنه في الصحيح ، فهو بمنزلة إطباق الجمهور على تعديل مَن ذكر فيهما .
ثم قال ـ بعد كلامٍ ـ : وقد كان الشيخ أبو الحسن المقدسيّ يقول في الرجل الذي يُخرّج عنه في الصحيح : هذا جاز القنطرة ، يعني بذلك أنّه لا يُلتفت إلى ما قيل فيه .
وقال الشيخ أبو الفتح القُشَيْريّ في مختصره : وهكذا نعتقد ، وبه نقول ، ولا نخرج عنه إلّا بحجّةٍ ظاهرةٍ ، وبيانٍ شافٍ يزيد في غلبة الظنّ على المعنى الذي قدّمناه من اتّفاق الناس ـ بعد الشيخين ـ على تسمية كتابيهما بالصيحيحن ، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما .
ثم قال الحافظ : قلت : فلا يُقبل الطعن في أحدٍ منهم إلّا بقادحٍ واضحٍ ، لأنّ أسباب الجرح مختلفة . . . إلى آخر كلامه .
وهو دالٌّ على أنّ التشيّع لا دخل له في عدالة الراوي ، ولا علاقة بضعفه ، وأنّه إذا ثبت براء ة الشيعيّ من الكذب والغفلة ، فحديثه صحيحٌ يُحتجّ به ـ ولو كان غالياً في التشيّع ـ فإنّ ذلك لا يضرّه أيضاً في العدالة ، لأنّ الغلوّ في التشيّع ليس مفسّقاً لصاحبه ، ولا يُعدّ به من المبتدعة الخارجين عن الجماعة ـ كما بيّن ذلك الحافظ في مقدّمة «الفتح» ـ بل أغلب التابعين كان على هذا ـ كما قال الذهبيّ ـ ومع ذلك ما ردّ حديثهُم أحدٌ ، وفي الصحيحين أحاديث كثيرةٌ من رواية أهل الغلوّ في التشيّع .
وبذلك يكون ـ أيضاً ـ إجماع الأمّة على قبول حديث الشيعيّ الغالي في التشيّع ـ كما تقدّم في كلام الحافظين ابن دقيق العيد ، وابن حجرٍ رحمهما الله تعالى ـ .
وذكر الذهبيّ في ترجمة أبي أحمد الحاكم من «تذكرة الحفّاظ»[45] : قال أبو أحمد الحاكم : سمعت أبا الحسين الغاري يقول : سألتُ البخاريَّ عن أبي غسّان ، فقال : عمّ تسأل عنه؟
قلت : شأنه في التشيّع ، فقال : هو على مذهب أئمّة أهل بلده الكوفيّين ، ولو رأيتم عبيدالله ، وأبا نعيم ، وجميع مشايخنا لما سألتمونا عن أبي غسّان .
قلت : ولو تتبّعت تراجم أئمّة الكوفة لما وجدتَ واحداً منهم لم يوصف بالتشيّع ، وأغلبهم له روايةٌ في الصحيحين ، بل منهم من كان من سادات أهل الحديث ، ورؤوس محدّثي الكوفة ، مثل : أبي إسحاق السبيعيّ ، والأعمش ، ومنصور بن زبيد ، والشعبيّ ، وإن كان الذهبيّ يقول في حقّ الشعبيّ : إنّ تشيّعه يسيرٌ ، كما نقل ذلك صاحب «الروض الباسم ، في الذب عن سُنّة أبي القاسم»[46] عن «النبلاء» للذهبيّ ، أنّه قال : روى الشعبيّ عن حذيفة أنّه تكلّم في أبي موسى بكلامٍ يقتضي أنّه منافقٌ ، ثمّ قال : في الشعبيّ تشيّعٌ يسيرٌ .
وقول من قال : إنّ الشيعيّ يُقبل حديثه فيما لا يؤيّد مذهبه ، ولا يوافق رأيه؛ باطلٌ أيضاً .
فالعمدة في الرواية على العدالة والضبط ، فإذا ثبتا في الراوي فلا معنى للنظر في شي ءٍ زائدٍ عنهما ، إلّا التعنّت والتمحُّل في ردّ ما لا يوافق الهوى .
ولا يجوز في العقل أن يكون الرجل حجّةً ثَبْتاً ثقةً في حديث ، ويكون في الوقت نفسه كذّاباً ، متّهماً ، باطلَ الرواية في حديثٍ آخر ، والثقة ـ على هذه الصورة ـ لايوجد إلّا في مخيّلة النواصب ، ومن تبعهم من الجهلة .
وأمّا المسلمون عموماً ـ لا فرق بين عالمهم وجاهلهم ـ فالثقة عندهم هو الذي يجتنب الكبائر ، ولا يتعمّد الولوج في الصغائر ، ولا يتظاهر بخوارم المروء ة ، وإذا ارتكب كبيرةً وتظاهر بها ، أو عُرفت عنه؛ فهو فاسقٌ لا يقبل حديثه مطلقاً بتاتاً ، سواء كان صادقاً فيه أو لم يكن .
وعلى هذا اصطلح عباد الله تعالى في شرق الأرض وغربها ، لأنّ الله تعالى يقول : {إن جاء كم فاسق بنبأً فتبيّنوا}[47] فأطلق سبحانه الأمر بالتبيّن في نبأ الفاسق ، ولم يخصّ منه نوعاً دون نوعٍ .
وأوّل من أظهر هذه الزيادة ـ وهي أنّ الشيعيّ الثقة لا يقبل حديثه المؤيّد لمذهبه ، وأدخلها في تقييد حديث الشيعيّ الثقة ـ أبو إسحاق الجوزجانيّ ، وهو ناصبيٌّ مشهورٌ ، له صولات وجولات وتهجّمات شائنةٌ في القدح في الأئمّة الذين وُصفوا بالتشيّع؛ حتّى دعاه ذلك إلى الكلام في أهل الكوفة كافّةً ، وأخْذ الحذر منهم ومن رواياتهم ، وهذا معروفٌ عنه ، مشهورٌ به ، حتّى نصّوا[48] على عدم الالتفات إلى طعنه في الرجال الكوفيّين ، أو من كان على مذهبهم في التشيّع ، لأنّه خارجٌ عن هوىً وتعصّبٍ وغرضٍ .
ولأجل ذلك لم يَلتفت إلى زيادته هذه ـ في تقييد حديث الثقة الشيعيّ بأن لا يكون مؤيّداً لمذهبه ـ أهلُ الحديث ، ولم يعملوا بها ، واقتصروا على ما يشهد له العقل من وجوب قبول حديث الراوي إذا كان ثقةً ضابطاً ، بدون أن يكون ذلك القبول مقيّداً ببابٍ دون بابٍ ، أو معنىً دون معنىً ، لأنّ ذلك لا يتّفق مع شواهد العقل ، وقواعد النقل .
والألبانيّ ـ لقصوره وجهله ، وعدم اطّلاعه على ما عليه العمل عند أهل الحديث؛ من قبول رواية الشيعيّ الثقة ، وإن كانت موافقةً لمذهبه ـ صار يستند ويعتمد على ما زاده الجوزجانيّ من هذا الشرط الباطل الذي لا يؤيّده عقلٌ ولا نقلٌ ، فيضعّف الأحاديث بسببها ، ويجعلها حجّةً على الوضع ، وكون الحديث كذباً؛ كما فعل في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها : «أنا سيّد ولد آدم ، وعليٌّ سيّد العرب»[49] ، فانّه حكم بوضعه في مقدّمةٍ كتبها لبعض الرسائل ، مستدلّاً على وضعه بأنّ روح التشيّع واضحةٌ في الحديث ، ولا أدري أين هذا التشيّع الذي وضح له من الحديث!؟ مع أنّ الحديث له شواهدٌ وطرق[50] .
وعلى قوله هذا ، وقاعدته الفارغة ، ينبغي أن لا نقبل حديثاً في فضل عليٍّ عليه السّلام ـ ولو تواتر ـ لا سيّما إذا كان يُخبر بفضلٍ لعليٍّ لا يوجد لغيره من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، كحديث : «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه؛ اللهمّ والِ من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره» .
وهكذا إذا اتّبع الإنسان كلَّ جاهلٍ ، وأجاب كلَّ صارخٍ ، ولم يُعمل النظر ، ويبحث عن الأقوال قبل قائلها ، فإنّه يردُّ السُنّة الصحيحة جملةً ، ويُعطي ـ مع ذلك ـ السلاح لأعداء الدين ، وملاحدة العصر في ردّ ما لا يعجبهم ويوافق هواهم من حديث سيّد المرسلين صلّى الله عليه و آله و سلّم .
وقوله : إنّ الصحابة كانوا يقولون في عهد أبي بكرٍ : أبو بكرٍ ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم عليٌّ ، إذا اتّفق الصحابة على هذا الترتيب ، فإنّما كان ذلك في الخلافة ، أمّا في التفضيل والفضل ، فالخلاف في ذلك معروفٌ معلومٌ لكلّ من له علمٌ واطّلاع .
والمقصود بعد هذا؛ هو بيان أنّ ردّ حديث الثقة الشيعيّ ـ إذا كان يؤيّد مذهبه ـ لم يصدر إلّا من النواصب ، ومَن لفّ حولهم ، واختار قولهم ، ودار في فلكهم .
وأمّا أهل الإنصاف ، من أئمّة الحديث ـ سلفاً وخلفاًـ فلا يقولون بهذا الهُراء الذي لا طائل تحته ، والذي يدلّ على التخريف والتحريف ، ولهذا احتجّ الشيخان بما رواه الشيعة الثقات من الأحاديث التي تؤيّد مذهبهم ، كحديث : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» فقد رواه البخاريّ من طريق عبيدالله بن موسى العبسيّ ، وقد كان شديد التشيّع[51] .
وكذلك حديث : «لا يحبّك إلّا مؤمنٌ ، ولا يبغضك إلّا منافق» رواه مسلمٌ في «صحيحه»[52] من طريق عديّ بن ثابت ، وقد كان شيعيّاً غالياً ، بل كان داعيةً[53] .
وتبعهم على ذلك بقيّة الأئمّة الذين جمعوا الصحاح ، وألّفوا السنن ، فقد رووا في هذه المصنّفات العددَ الكثيرَ من حديث الشيعة فيما يؤيّد مذهبهم ، وصرّحوا بصحّتها أو صحّة أكثرها .
وكلّ هذا يدلّ على أنّ ما زاده الجوزجانيّ ، وتبعه عليه الجهلة من النواصب ومبغضي آل البيت؛ من كون حديث الشيعيّ الثقة لا يُقبل إذا كان يؤيّد مذهبه ، وينصر رأيه؛ باطلٌ لا أصل له ، ولا يشهد له عقلٌ ، ولا يؤيّده نظر .
ولولا ضيق الوقت لذكرنا العدد الكبير من الأحاديث التي رواها الشيعة الثقات فيما يؤيّد مذهبهم ، وصحّحها الأئمّة ، وأخرجوها في كتبهم ، ولعلّنا نجد فرصةً لتفصيل الكلام في هذا الموضوع تفصيلاً كافياً لذوي الإنصاف ، رادعاً لأهل الاعتساف .
أمّا هذا الجزء ؛ فقد كتبته عن عجلٍ تلبيةً لرغبة بعض الإخوان في التعجيل ببيان فساد دعوى المتطفّل ـ فيما زعمه ـ في الاعتراض عليَّ في توثيق الحارث بن عبدالله الهمدانيّ .
وكان الفراغ من هذا الجزء صباح يوم الأحد ، الحادي والعشرين من جمادى الثانية ، سنة أربعٍ وأربعمائة وألف .
والحمد لله أوّلاً وآخراً ، وصلّى الله على خاتم الأنبياء وسيّد المرسلين ، وعلى آله الأبرار الأكرمين ، وسلّم تسليماً إلى يوم الدين .


(1) هو الذي نشرناه في العدد السابق (الخامس) من مجلتنا «علوم الحديث» الصادر في محرم الحرام ـ جمادى الآخرة هذا العام 1420هـ ، وقد تحدّثنا عن الكتاب وعن المؤلّف هناك . و نذكّر بأنّ مصادر التخريجات لهذا الكتاب ذكرت في نهاية كتاب الباحث في العدد السابق أيضاً .
(2) صحيح البخاري : 1 / 15 ـ صحيح مسلم : 1 / 78 .
(3) سنن الترمذي : 5 / 24 ـ 25 ح2639 ، سنن ابن ماجه : 2 / 1437 ح4300 .
(4) الطبقات الكبرى : 6 / 168 .
(5) الجرح والتعديل : 3 / 79 .
(6) الجامع الصغير : 524 .
(7) تهذيب التهذيب : 1 / 411 .
(8) تاريخ جرجان : 559 ـ 560 .
(9) الطبقات الكبرى : 6 / 168 .
(10) الطبقات الكبرى : 6 / 168 .
(11) اُنظر : المعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان : 2 / 557 وتهذيب الكمال : 5 / 249 ـ 250 وتهذيب التهذيب : 1 / 411 والميزان : 2 / 172 .
(12) ميزان الاعتدال : 2 / 172 .
(13) ميزان الاعتدال : 2 / 172 .
(14) اُنظر جامع بيان العلم : 2 / 1087 ـ 1119 .
(15) الرواة الثقات المتكَّلم فيهم بما لا يوجب ردّهم : 23 .
(16) تذكرة الحفّاظ : 1 / 83 .
(17) الرواة الثقات المتكّلم فيهم بما لا يوجب ردّهم : 24 ـ 25 .
(18) ميزان الاعتدال : 2 / 172 .
(19) تهذيب التهذيب : 1 / 411 .
(20) اُنظر طبقات الفقهاء : 80 / 81 .
(21) اُنظر طبقات الفقهاء لأبي إسحاق الشيرازي : 81 .
(22) اُنظر الطبقات : 31 .
(23) الرواة الثقات المتكّلم فيهم بما لا يوجب ردّهم : 24 .
(24) ميزان الاعتدال : 2 / 172 .
(25) ميزان الاعتدال : 2 / 172 .
(26) التمهيد : 4 / 288 .
(27) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة : 1 / 116 .
(28) التعليق المغني : 3 / 80 .
(29) سنن الدارقطني: 2 / 58 .
(30) الفقيه والمتفقه : 1 / 142 .
(31) تاريخ بغداد : 6 / 366 ـ 367 .
(32) اُنظر لسان الميزان 4 : 29 .
(33) المغني في الضعفاء : 1 / 629 .
(34) ديوان الضعفاء والمتروكين : 2 / 115 .
(35) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس : 146 .
(36) تهذيب التهذيب : 4 / 358 .
(37) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة : 1 / 116 .
(38) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة : 1 / 116
(39) مجمع الزوائد : 1 / 126 .
(40) المعجم الكبير : 10 / 181 ـ 19 / 375 ، 376 ، المعجم الأوسط : 6 / 295 ، الجامع الصغير : 14 .
(41) ميزان الاعتدال : 1 / 118 .
(42) شرح صحيح مسلم للنووي : 1 / 20 .
(43) سورة النساء : 115 .
(44) هدي الساري ـ مقدمة فتح الباري : 403 .
(45) تذكرة الحفاظ : 3 / 978 .
(46) الروض الباسم: 1 / 148 .
(47) سورة الحجرات : آية 6 .
(48) لسان الميزان : 1 / 16 .
(49) المستدرك على الصحيحين : 3 / 124 .
(50) وقد ردّ عليه العلّامة المحدّث السيّد عبدالله بن محمد بن الصدّيق ـ شقيق المصنّف رحمهما الله تعالى ـ في «القول المقنع في الردّ على الألبانيّ المبتدع» .
(51) هدي الساري : 444 ـ تهذيب التهذيب : 4 / 36 ـ 37 .
(52) صحيح مسلم : 1 / 86 عن علي عليه السّلام بلفظ : لا يحبّني إلّا مؤمن ولا يبغضني إلّا منافق .
(53) هدي الساري : 446 ـ تهذيب التهذيب : 4 / 107 .

الرئيسية | القرآن الكريم | الحديث الشريف | السيرة النبوية | التاريخ الإسلامي | فتاوى | الفقه الإسلامي | محركات بحث
كتب وموسوعات | مواقع تعليمية | دور نشر ومكتبات | ندوات | مراكز | صحف ومجلات | دروس وخطب | مواقع مفضلة

دليل أدلة مواقع | منتديات | برامج مجانية | خدمات إنترنت | أخبار | بريد مجاني | صور | مواقع أطفال | مواقع طبية | روابط أخرى

  tawfieq@gmail.com