تقسيمات المردود << السابق.                                          التالي >> الحديث المنقطع

الحلقة (6) الحديث المعلَّق                                  توفيق عمر سيّدي

 

تعريفه لغة :

هو اسم مفعول من "علّق" الشيء بالشيء ، أي : ناطه ، وربطه به ، وجعله معلقا .

 

سبب تسميته : وسمّي هذا السند معلقا بسبب اتصاله بالجهة العليا فقط ، وانقطاعه من الجهة الدنيا ، فصار كالشيء المعلّق بالسقف ونحوه .

 

تعريفه اصطلاحا :

هو ما حُذف من مبدأ إسناده راوٍ فأكثر على التوالي ، ولو أتى على إسناده كله .

 

صور الحديث المعلّق

 

1- أن يُسقط الراوي الأول من مبدأ السند .

[.........] قال [فلان] عن [فلان] عن [فلان] عن [التابعي] عن [الصحابي] يبلغ به ، أو يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

 

مثاله : ما أخرجه البخاري في الصحيح : في الإيمان : بَاب حُسْنُ إِسْلامِ الْمَرْءِ ، قال : قَالَ مَالِكٌ أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلامُهُ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا ، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا ". فإن بين البخاري والإمام مالك راوٍ لم يُذكر . فهذا حديث معلّق ؛ لأنه حُذف راوٍ واحد من أول السند .

وقد وصله الإمام النسائي في سننه : كتاب الإيمان وشرائعه ، ، رقم (4998) أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَلَّى بْنِ يَزِيدَ قَالَ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ [يعني ابن مُسلم ] قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلامُهُ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ حَسَنَةٍ كَانَ أَزْلَفَهَا وَمُحِيَتْ عَنْهُ كُلُّ سَيِّئَةٍ كَانَ أَزْلَفَهَا ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهَا ".

2- أن يحذف راويان ، أو أكثر على التوالي من مبدأ الإسناد .

[...........] [...........] عن [فلان] عن [فلان] عن[التابعي] عن [الصحابي] يرفعه .

 

مثاله : ما أخرجه البخاري في الصحيح : في الرقاق : بَاب فِي الْحَوْضِ رقم (6576) قال : وَقَالَ حُصَيْنٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ وَلَيُرْفَعَنَّ مَعِي رِجَالٌ مِنْكُمْ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيُقَالُ إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ".

فهذا حديث معلّق ؛ لأنه حُذف راويان على التوالي من أول السند .

وقد وصله الإمام مسلم في الفضائل ، بَاب إِثْبَاتِ حَوْضِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَاتِهِ رقم (2297) عن سَعِيدٍ بْنِ عَمْرٍو الأَشْعَثِيِّ عن عَبْثَرٌ بن القاسم ـ ح ـ و عن أَبِي بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عن ابْنِ فُضَيْلٍ ـ كِلاهُمَا [ يعني عبثر وابن فضيل ] عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

 

ومثاله : ما أخرجه البخاري في الصحيح : في الوضوء ، بَاب الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ رقم (202) قال : َقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَخْبَرَنِي أَبُو النَّضْرِ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعْدًا حَدَّثَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ عُمَرُ لِعَبْدِاللَّهِ : إِذَا حَدَّثَكَ شَيْئًا سَعْدٌ عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ .

وهذا حديث معلّق ؛ لأنه حُذف راويان على التوالي من أول السند .

وقد وصله الإمام النسائي في سننه : كتاب الطهارة ،  بَاب الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، رقم (122) قال : أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ .

 

3- أن يحذف رواة الإسناد جميعهم ، إلا الصحابي والتابعي .

[......... ، ............ ، .............. ، .............] عن [التابعي]عن [الصحابي] يرفعه .

 

مثاله : ما أخرجه البخاري في الصحيح : كتاب الرقاق ترجمة لباب ، قال : بَاب يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " رَوَاهُ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 

 

4- أن يحذف رواة الإسناد جميعهم ، إلا الصحابي .

[......... ، .......... ، ............. ، ........... ، ...........] عن [الصحابي] يرفعه .

 

مثاله : ما أخرجه البخاري في الصحيح في مقدمة باب ما يذكر في الفخذ : وقال أبو موسى : غطّى النبي صلّى الله عليه وسلم ركبتيه حين دخل عثمان . فهذا حديث معلّق ؛ لأنه حذف السند كلّه إلا الصحابي ، وهو أبو موسى الأشعري رضي الله عنه .

 

ومثاله : ما أخرجه البخاري في الصحيح : في الرقاق : بَاب صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، قال : وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ زِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ . وهذا حديث معلّق ؛ لأنه حذف السند كلّه إلا الصحابي ، وهو أبو سعيد الخدري رضي الله عنه .

 

ومثاله : ما أخرجه البخاري في الصحيح : في الرقاق : بَاب فِي الْحَوْضِ قال : وَقَالَ عَبْد ُاللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ ". وهذا حديث معلّق ؛ لأنه حذف جميع السند إلا الصحابي، وهو عَبْد ُاللَّهِ بْنُ زَيْدٍ رضي الله عنه .

 

5- أن يحذف جميع السند ثم يقال مثلا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ... كذا .

 

مثاله : ما أخرجه البخاري في الصحيح : كتاب الرقاق في ترجمة باب ، قال : بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ".

وهذا حديث معلّق ؛ لأنه أسقط إسناده كله .

 

ومثاله : ما أخرجه البخاري في الرقاق أيضا في ترجمة باب ، قال : بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ".

وهذا حديث معلّق ؛ لأنه أسقط إسناده كله .

ووصله في الباب نفسه برقم (6485)، قال : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ".

وبرقم (6486) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ".

 

شمول الحديث المعلّق للمرفوع وغيره

 

لا يقتصر الوصف بالمعلّق على الحديث المرفوع فحسب ، بل يتعداه إلى الموقوف والمقطوع ، وفتاوى تبع الأتباع ـ أو قل : تابعي التابعين ـ وأقوالهم ، إذا سقط من أول إسنادهما راوٍ فأكثر على التوالي .

والحديث المرفوع هو : ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول ، أو فعل ، أو تقرير ، أو صفة .

والحديث الموقوف : هو ما أضيف إلى الصحابي قولا كان ، أو فعلا ، أو تقريرا ، متصلا أو غير متصل .

مثال الحديث الموقوف المعلّق : ما أخرجه البخاري في الصحيح : كتاب التفسير ،  بَاب قَوْلِهِ تعالى { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } شَعَائِرُ عَلامَاتٌ وَاحِدَتُهَا شَعِيرَةٌ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الصَّفْوَانُ الْحَجَرُ . وهذا معلّق ؛ لأنه أسقط الرواة فيما بينه وبين ابن عباس رضي الله عنهما  ، وابن عباس : صحابي .

ومثاله : ما أخرجه البخاري أيضا في التفسير ، بَاب قوله تعالى { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ } قال : وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ( إِصْرًا ) عَهْدًا .

والحديث المقطوع : هو ما أضيف إلى التابعي قولا كان ، أو فعلا ، سواء كان التابعي كبيرا ، أو صغيرا .

مثال المقطوع المعلّق : ما أخرجه البخاري في الصحيح : في المغازي : بَاب فِي شهود الملائكة بدرا رقم (4024) قال : وَقَالَ اللَّيْثُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الأُولَى ـ يَعْنِي مَقْتَلَ عُثْمَانَ ـ فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ أَحَدًا ، ثُمَّ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الثَّانِيَةُ ـ يَعْنِي الْحَرَّةَ ـ فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَابِ الْحُدَيْبِيَةِ أَحَدًا ، ثُمَّ وَقَعَتِ الثَّالِثَةُ فَلَمْ تَرْتَفِعْ وَلِلنَّاسِ طَبَاخٌ .

وهذا حديث معلّق ؛ لأنه حُذف راوٍ ، أو أكثر على التوالي من أول السند .

ومثاله : ما أخرجه البخاري في الصحيح : كتاب التفسير ، بَاب وَقَوْلُهُ تَعَالَى { َظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى } قال : َقَالَ مُجَاهِدٌ الْمَنُّ صَمْغَةٌ وَالسَّلْوَى الطَّيْرُ . وهذا معلّق ؛ لأنه أسقط ما بينه وبين مجاهد ـ وهو تابعي ـ من الرواة .

ومثاله : ما أخرجه البخاري أيضا في مطلع تفسير سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ قال : وَقَالَ مُجَاهِدٌ { وَالْخَيْلُ الْمُسَوَّمَةُ } الْمُطَهَّمَةُ الْحِسَانُ . قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَبْدُاللَّهِ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى : الرَّاعِيَةُ الْمُسَوَّمَةُ .

وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ( وَحَصُورًا ) لا يَأْتِي النِّسَاءَ .

وَقَالَ عِكْرِمَةُ { مِنْ فَوْرِهِم } مِنْ غَضَبِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ { يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ } مِنَ النُّطْفَةِ تَخْرُجُ مَيِّتَةً وَيُخْرِجُ مِنْهَا الْحَيَّ . وهذه كلها كما ترى أحاديث مقطوعة ومعلّقة ؛ لكون الإمام البخاري قد أسقط أسماء الرواة فيما بينه وبين هؤلاء الأئمة من التابعين .

 

مثال المعلّق من أقوال تابعي التابعين : ما أخرجه البخاري في الصحيح : في كتاب صلاة التراويح ، بَاب فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، قال : قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ { مَا أَدْرَاكَ } فَقَدْ أَعْلَمَهُ وَمَا قَالَ { وَمَا يُدْرِيكَ } فَإِنَّهُ لَمْ يُعْلِمْهُ . وهذا حديث معلّق ؛ لأنه حُذف منه جميع السند .

 

حكمه : الحديث المعلّق نوع من أنواع الحديث الضعيف ، لأنه فقد شرطا من شروط القبول ـ وهو إتصال السند ـ فهو مردود من أجل ذلك ، وللجهل بحال الراوي ، أو الرواة الذين لم يذكروا في الإسناد .

وهذا الحكم ـ كونه مردودا ـ هو للحديث المعلّق مطلقا . لكن إن وجد المعلّق في كتاب التزم صاحبه فيه الصحة ـ كالصحيحين ؛ فهذا له حكم خاص .

 

حكم الأحاديث المعلّقة في الصحيحين

إن الإمامين البخاري ومسلما لم يدخلا في كتابيهما إلا ما صحَّ ، وأن الأمّة تلقت كتابيهما بالقبول . وإن ما روياه بالإسناد المتصل فهو المحكوم بصحته . وأمّا ما حذف من مبدأ إسناده راوٍ أو أكثر ـ وهو الحديث المعلّق ـ فحكمه كما يلي :

1- ما كان منه بصيغة الجزم كـ(قال )، و( رَوَى )، و( ذَكَرَ ) فإن هذه الصيغة تعتبر حكما بصحته إلى المضاف إليه [ أي : إلى من علّقه عنه] فقط ؛ لأنه لا يستجيز أن يجزم بالحديث عنه ، ونسبته إليه إلا وقد صحَّ عنده أنه قاله .

2- وما لم يكن فيه جزم كـ ( يُرْوى ) و( يُحْكَى ) ، و (يُذْكَرُ ) ، و(رَوَى ) ، و ( ذَكّرَ) ـ وغيرها من صيغ التضعيف ، أو التمريض ـ فليس فيه حكم بصحته عن المضاف إليه ، لأن هذه العبارات تستعمل في الحديث الصحيح ، وتستعمل في الضعيف أيضا .

مثال الصحيح ـ وقد جاء معلّقا بغير صيغة الجزم ـ قول البخاري في كتاب الصلاة : ويُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ قرأ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ في الصُّبْحَ ،  حَتَّى جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ ، أَوْ ذِكْرُ عِيسَى أَخَذَتْه سَعْلَةٌ فَرَكَعَ .

وهو حديث صحيح : أخرجه الإمام مسلم في صحيحه موصولا : كتاب الصلاة ، بَاب الْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ رقم (455).

ومثال الضعيف ـ وقد أورده معلّقا بغير صيغة الجزم إشارة منه إلى كونه لم يصحَّ عنده ـ قول البخاري في كتاب الصلاة : ويُذْكَرُ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قضى بالدّيْنِ قبلَ الوصيَّةِ ". وقد رواه الترمذي موصولا من طريق الحارث الأعور ، عن عليّ رضي الله عنه ، والحارث ضعيف .

وهذا الذي يورده البخاري بصيغة التمريض ليس بساقط سقوطا نهائيا ؛ لأنه أدخله في كتابه الذي وصفه بأنه صحيح ، ومع هذا فإن إيراده له في أثناء الصحيح مشعر بصحة أصله .

 

وإن أكثر الأحاديث المعلقة في صحيح البخاري جاءت متصلة في مواضع أخرى منه ، وإنما أوردها معلّقة للاختصار . وأما المعلقات التي لم ترد متصلة في صحيح البخاري في مواضع أخرى منه ـ وعددها مائة وستون حديثا ـ فقد تتبعها الحافظ ابن حجر فوجدها متصلة ، وقد أفردها وتلك التي وصلها البخاري في كتابه المسمّى " تغليق التعليق ".

 

أما المعلقات في صحيح الإمام مسلم فهي قليلة ، وقد بحثت وتحققت صحتُها ، وقد أوردها الحافظ أبو علي الغساني في كتابه " تقييد المهمَل وتمييز المشكِل " وقد بلغ بها أربعة عشر حديثا ، ثم تبعه الحافظ أبو عمرو بن الصلاح الشهرزوري في مطلع شرحه لصحيح مسلم ، وحقق أنها اثنا عشر حديثا فقط . ثم قال : وهي موصولة من جهات صحيحة لا سيما ما كان منها مذكورا على وجه المتابعة ، ففي نفس الكتاب وَصْلُها ، واكتفى بكون ذلك معروفا عند أهل الحديث ".

 

تقسيمات المردود << السابق.              التالي >> الحديث المنقطع