<< السابق                        المرسل : [ 1 ] ، [ 2 ]                     التالي >>

 تتمة المرسل >>

6- موصول له حكم المرسل :

أ- رواية الصحابي الصغير الذي رأى النبي صلى الله عليه وسلم غير مميّز ، وليس له سماع .

- [ فلان ] عن [ فلان ] عن [ فلان ] عن [تابع التابعي)]عن [التابعي]عن [صحابي رأى النبي صلى الله عليه وسلم غير مميّز ، وليس له سماع منه ] عن النبي صلى الله عليه وسلم .

 

مثاله : ما أخرجه ابن ماجه في سننه :كتاب المناسك ، باب بَاب النُّفَسَاءِ وَالْحَائِضِ تُهِلُّ بِالْحَجِّ رقم (2912) قال : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلالٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ : أَنَّهُ خَرَجَ حَاجًّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَعَهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ ، فَوَلَدَتْ بِالشَّجَرَةِ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ، فَأَتَى أَبُو بَكْرٍ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخْبَرَهُ ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنْ يَأْمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ ، ثُمَّ تُهِلَّ بِالْحَجِّ ، وَتَصْنَعَ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ ، إِلا أَنَّهَا لا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ ".

قال الحافظ المِزي في التحفة 5/304 :" محمد بن أبي بكر الصديق ، عَنْ أَبِيهِ ، ولم يسمع منه . وأخرجه النسائي في مناسك الحج ، باب الْغُسْلُ لِلإِهْلالِ ، رقم (2664) عن أَحْمَدَ بْنِ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّسَائِيُّ ، عن خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ به .

حكمه : حكم مرسل التابعي ؛ لاحتمال أن يكون أخذه عن صحابي ، أو أخذه عن تابعي .

قال الإمام السيوطي في "التدريب" 1/197:" ومن رأى النبي صلى الله عليه وسلم غير مميّز ؛ كمحمد بن أبي بكر الصديق فإنه صحابي ، وحكم روايته ؛ حكم المرسل ، ولا يجيء فيه ما قيل في مراسيل الصحابة ؛ لأن أكثر رواية هذا وأشباهه عن التابعي ، بخلاف الصحابي الذي أدرك وسمع ؛ فإن احتمال روايته عن التابعي بعيد جدا ".

ب- أن يُبهم الراوي في آخر الإسناد ، أو يُسمّى باسم لا يُعرف ، فلا يعلم أصحابي هو أم تابعي . وهذا النوع من المرسل أورده أبو داود في "المراسيل" ، فإنه يروي فيه ما أبهم فيه الرجل ، وهذا ما درج عليه الإمام البيهقي في السنن الكبرى .

 

مثاله : ما أخرجه الإمام أبو داودَ في المراسيل : بَاب (56) ما جاء في الفرائض : عن موسى بن إسماعيل ، عن حماد ، عن داود بن أبي هند ، عن عبد الله بن عبيد الأنصاري ، عن رجل من أهل الشام ـ من بني زُريق ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال :" وَلَدُ المُلاعِنَةِ عَصبَتُهُ عَصبَةُ أمِّهِ ". وهذا المبهم احتمل أن يكون صحابيا ، واحتمل أن يكون تابعيا .

وهذا مرسل في اصطلاح أبي داود والبيهقي ؛ لأن عبد الله بن عبيد أبهم اسم من حدثه .

وهو حديث متصل في سنده مبهم ـ أو مجهول ـ عند أكثر المحدثين .

 

ومثاله : ما أخرجه الإمام أبو داودَ في سننه : كتاب الدِّيات ، بَاب فِيمَنْ تَطَبَّبَ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَأَعْنَتَ ، حديث رقم (4587)، قال : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنِي بَعْضُ الْوَفْدِ الَّذِينَ قُدِمُوا عَلَى أَبِي ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" أَيُّمَا طَبِيبٍ تَطَبَّبَ عَلَى قَوْمٍ ، لا يُعْرَفُ لَهُ تَطَبُّبٌ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَأَعْنَتَ ، فَهُوَ ضَامِنٌ ". قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ : أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بِالنَّعْتِ ، إِنَّمَا هُوَ قَطْعُ الْعُرُوقِ ، وَالْبَطُّ ، وَالْكَيُّ . قال الحافظ جمال الدين المِزي في تحفة الأشراف 11/183 :" ولا يعلم هل له صحبة ، أم لا ". يعنى هذا الوافد على عمرَ ، والذي حدّثَ عبدَ العزيز .

فهذا مرسل في اصطلاح أبي داود والبيهقي ؛ لأن عَبْدَ الْعَزِيزِ ترك تسمية ذاك الذي حدثه .

وهو حديث متصل في سنده مبهم ـ أو مجهول ـ عند أكثر المحدثين .

 

ومثاله : ما أخرجه الإمام أبو داودَ في المراسيل : بَاب (103) في البدع : عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب ، عن مسكين بن بكير ، عن الأوزاعي ، عن إبراهيم بن طريف ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال : حدثني من لا أتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن أخوفَ ما أخافُ عليكم بعدي ثلاث : ما يَفتحُ الله عليكم من زهرة الدنيا ، ورجال يتأولون القرآن على غير تأويله ، وزلّة عالم ". ثم قال :" ألا أنبئُكم بالمخرج من ذلك : إذا فتحت عليكم الدنيا فاشكروا الله ، وخذوا ما تعرفون من التأويل ، وما شككتم فيه فردوه إلى الله عز وجل ، وانتظروا بالعالم فيئَته ، ولا تلقفوا عليه عثرته ". وهذا مرسل في اصطلاح أبي داود والبيهقي ؛ لأن محمدا بن كعب أبهم اسم من حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم  . وهو حديث متصل ، في سنده مجهول ، عند أكثر المحدثين .

ومثاله : ما أخرجه الإمام أبو داودَ في المراسيل : بَاب (28) ما جاء في النكاح عن كثير بن عبيد ، عن بقيّة ، عن ابن مبارك ، عن الزبير بن سعيد الهاشمي ، عن أشياخه ، رفعه ، قال : عليكم بأمهات الأولاد ، فإنهن مباركات الأرحام ".

وهذا مرسل ؛ لأن الزبير ترك تسمية أشياخه الذين حدثوه عن النبي صلى الله عليه وسلم  .

وهو حديث متصل ، في سنده مجهول ، عند أكثر المحدثين .

 

ومثاله : ما أخرجه الإمام البيهقي في السنن الكبرى : كتاب القسامة ، بَاب أصل القسامة والبداية فيها مع اللوث بأيمان المدعي ، 8/121 قال : أخبرنا أبو علي الروذباري ، أنبأ أبو بكر بن داسة ، ثنا أبو داود ، ثنا الحسن بن علي ، ثنا عبد الرزاق ، أنبأ معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار ، عن رجال من الأنصار ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليهود ، وبدأ بهم : يحلف منكم خمسون رجلا ، فأبوا ، فقال للأنصار : استحقوا ، فقالوا : نحلف على الغيب يا رسول الله ! فجعلها الله على يهود ؛ لأنه وجد بين أظهرهم .

قال الإمام البيهقي : وهذا مرسل بترك تسمية الذين حدثوهما .

وهو حديث متصل ، في سنده مجهول ، عند أكثر المحدثين .

حكمه : حكم مرسل التابعي ؛ لاحتمال أن يكون هذا المبهم ، أو هؤلاء المبهمون صحابة ـ أو فيهم صحابة ـ أو هم تابعيون ، فإذا كان الذي يروي عن هذا المبهم تابعي كبير ؛ كان حكم حديثه كحكم مرسل كبار التابعين ، وإذا كان من صغارهم فحكم حديثه ؛ كحكم مرسل صغارهم . 

ج- ما يرويه التابعي عن رجل من الصحابة لم يُسَمَّ .

وهذا النوع أورده الإمام البيهقي في كتابه " السنن الكبرى" ، وجعله في حكم المرسل .

 

مثاله : ما أخرجه في سننه الكبرى : كتاب الطهارة ، بَاب ما جاء في النهي عن فضل المحدِث 1/190 قال : أخبرنا أبو الحسن بن عبدان ، أنا أحمد بن عبيد ، أنا زياد بن الخليل ، ثنا مسدد ، ثنا أبو عوانة ، عن داود بن عبد الله الأودي ، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري ، قال : لقيت رجلا صحب النبي صلى الله عليه وسلم كما صحبه أبو هريرة أربع سنين ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله ، أو تغتسل المرأة بفضل الرجل ، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة ، وليغترفا جميعا . قال : أخبرنا أبو علي الروذباري ، أنبأ أبو بكر بن داسة ، ثنا أبو داود ، ثنا أحمد بن يونس ، ثنا زهير عن داود بن عبد الله فذكره بنحوه ، ولم يقل :" وليغترفا جميعا ".

قال : " وهذا الحديث رواته ثقات ، إلا أن حميدا لم يسمِّ الصحابي ، الذي حدثه ، فهو بمعنى المرسل ، إلا أنه مرسل جيد ، لولا مخالفته الأحاديث الثابتة الموصولة . وداود بن عبد الله لم يحتج به الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى ".

وهو حديث متصل ، عند المحدثين ؛ لأن جهالة عين الصحابي لا تضر ، لكونهم عدولا .

 

مثاله : ما أخرجه الإمام البيهقي في الكبرى أيضا : كتاب الطهارة ، بَاب تفريق الوضوء 1/83 قال : أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الروذباري ، أنبأ أبو بكر محمد بن بكر ، ثنا أبو داود ، نا حيوة بن شريح ، ثنا بقية ، عن يحيى بن سعيد ، عن خالد بن معدان ، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلى ، وفي ظهر قدمه لمعة ، قدر الدرهم ، لم يصبها الماء ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء والصلاة ". قال الإمام البيهقي :" كذا في هذا الحديث ، وهو مرسل ".

وقول الإمام البيهقي " هو مرسل " محتمل ؛ لأن هذا الذي أبهم ، وإن كان صحابيا ، فربما كان من صغارهم ؛ ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم غير مميز ، وليس له سماع منه ، فحديثه في حكم المرسل لذلك . ولعل هذا مقصود الإمام ، فقد قال في الحديث الذي قبله :" هو بمعنى المرسل ".

وهو حديث متصل ، عند المحدثين ؛ لأن جهالة عين الصحابي لا تضر ، لكونهم عدولا .

 

حكمه : هو من قبيل الحديث المتصل ، الذي يحتج به .

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه " شرح علل الترمذي" ص191 :" لو قال تابعي : أخبرني بعض الصحابة ؛ لكان حديثه متصلا يحتج به ، كما نص عليه الإمام أحمد ، وكذا ابن عمار الموصلي ، ومن الأصوليين أبو بكر الصيرفي وغيره ، وقال البيهقي : هو مرسل ".

قال السيوطي [التدريب 1/197] : قال الحافظ العلائي : وليس بجيد ، اللهم إلا إن كان يُسميه مرسلا ، ويجعله حجة كمراسيل الصحابة ، فهو قريب .

 

7- مرسل الصحابي : وهو ما أخبر به الصحابي عن قول النبي صلى الله عليه وسلم ، أو فعله ، ولم يسمعه ، أو يشاهده ؛ إما لصغر سنه ، أو تأخر إسلامه ، أو غيابه ، ومن هذا النوع أحاديث كثيره لصغار الصحابه ؛ كابن عباس ، وابن الزبير ، وغيرهما ، رضي الله عنهم .

 

مثاله : ما أخرجه الإمام البخاري في المناقب ، حديث رقم (3526) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ } جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَادِي : يَا بَنِي فِهْرٍ ، يَا بَنِي عَدِيٍّ ، بِبُطُونِ قُرَيْشٍ .

 

ومثاله : ما أخرجه الإمام مسلم في كتاب الإيمان ، حديث رقم (205)، والإمام أحمد في مسنده رقم (24523) عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : لَمَّا نَزَلَتْ { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ } قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّفَا ، فَقَالَ : يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ، يَا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، لا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ .

 

حكمه : كحكم الحديث المتصل ، وهو حجة ؛ لأن الظاهر أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، أو من صحابي آخر سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ، والصحابة كلهم عدول ، ولا يضر عدم المعرفة بعين من روى عنه منهم . [انظر : البحر المحيط 4/409].

قال الإمام ابن الصلاح في مقدمته ص26 : وأما مراسيل الصحابة ؛ كابن عباس وأمثاله ، ففي حكم الموصول ؛ لأنهم إنما يروون عن الصحابة ، وكلهم عدول ، فجهالتهم لا تضر ".

ونقل قول ابن الصلاح هذا الحافظ ابن كثير في اختصار علوم الحديث ص49 ، ثم قال : وقد حكى بعضهم الاجماع على قبول مراسيل الصحابة ، وذكر ابن الأثير وغيره في ذلك خلافا ، ويحكى هذا المذهب عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني ؛ لاحتمال تلقيهم عن بعض التابعين .

قال النووي في التقريب (1/207- تدريب): أما مرسل الصحابي فمحكوم بصحته على المذهب الصحيح ، وقيل : إنه كمرسل غيره إلا أن يبين الرواية عن صحابيّ ".

قال الإمام السيوطي في التدريب 1/207شارحا عبارة الإمام النووي :" (فمحكوم بصحته على المذهب الصحيح ) الذي قطع به الجمهور من أصحابنا ، وغيرهم ، وأطبق عليه المحدثون المشترطون للصحيح القائلون بضعف المرسل ، وفي الصحيحين من ذلك ما لا يحصى ؛ لأن أكثر روايتهم عن الصحابة ، وكلهم عدول ، ورواياتهم عن غيرهم نادرة ، وإذا رووها بينوها ، بل أكثر ما رواه الصحابة عن التابعين ليس أحاديث مرفوعة ، بل إسرائيليات ، أو حكايات ، أو موقوفات (وقيل : إنه كمرسل غيره) لا يحتج به (إلا أن يبين الرواية عن الصحابي ) زاده المصنف على ابن الصلاح ، وحكاه في شرح المهذب عن أبي إسحاق الإسفراييني .

وقال ـ يعني النووي رحمه الله ـ : الصواب الأول .

 

- وليس من قبيل المرسل رواية من له رؤية وسماع من النبي صلى الله عليه وسلم  ، ولم يسلم في حياته ، ولكنه أسلم بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى .

قال الإمام السيوطي في تدريب الراوي 1/196 :" يرد على تخصيص المرسل بالتابعي من سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو كافر ، ثم أسلم بعد موته ، فهو تابعي اتفاقا ، وحديثه ليس بمرسل ، بل موصول لا خلاف في الاحتجاج به ؛ كالتنوخي رسول هرقل ـ وفي رواية قيصر ـ فقد أخرج حديثه الإمام أحمد وأبو يعلى في مسنديهما ، وساقاه مساق الأحاديث المسندة ".

 

سبب إيراد الحديث المرسَل في المردود :

إن إيراد المرْسَل في أقسام المردود ـ رغم أن هناك من العلماء من قبله ؛ إنما هو جريٌّ على طريقة الأكثرين الذين رأوا أنه قسم من أقسام الضعيف .

 

قال العلامة الشيخ طاهر الجزائري في كتابه القيم النافع " توجيه النظر إلى أصول الأثر " 2/555 : وإنما ذكر المُرْسَلُ في قسم المردود ، للجهل بحال المحذوف ؛ لاحتمال أن يكون غير صحابي ، وإذا كان ذلك ؛ احتمل أن يكون ضعيفا ، وإذا كان ثقة ؛ احتمل أن يكون روى عن تابعي آخر يكون ضعيفا ، وهكذا . وقد وُجد بالاستقراء روايةُ سِتَّةٍ ، أو سبعةٍ من التابعين بعضهم عن بعض ، وهذا أكثر ما وجد في هذا النوع .

وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر في " شرح النُخبة " ص37.

 

مراتب الحديث المرسَل

 

قال الحافظ السخاوي في " فتح المغيث " : المرسل مراتب أعلاها ما أرسله صحابي ثبت سماعه ، ثم صحابي له رؤية فقط ولم يثبت سماعه ، ثم المخضرم ، ثم المتقن ؛ كسعيد بن المسيب ، ويليها من كان يتحرى في شيوخه ؛ كالشعبي ومجاهد ، ودونهما مراسيل من كان يأخذ عن كل أحد ؛ كالحسن . أما مراسيل صغار التابعين ؛ كقتادة ، والزهري ، وحميد الطويل ، فإن غالب رواية هؤلاء عن التابعين .

 

ذكر أشهر من يرسل الحديث

 

قال الإمام أبو عبد الله الحاكم في " علوم الحديث"ص25: وأكثر ما تروى المراسيل من أهل المدينة عن سعيد بن الْمُسيَّب ، ومن أهل مكة عن عطاء بن أبي رباح ، ومن أهل مصر عن سعيد بن أبي هلال ، ومن أهل الشام عن مكحول الدمشقي ، ومن أهل البصرة عن الحسن بن ابي الحسن ، ، ومن أهل الكوفة عن إبراهيم بن يزيد النخعي .                                

  [ وانظر : تدريب الراوي 1/203 نقلا عن الحاكم ]

 

أصح المراسيل

 

قال الإمام أحمد بن حنبل : مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات .."

[ذكره في التدريب 1/203 ].

قال الحافظ ابن رجب في " شرح علل الترمذي " ص182: " ووقع مثله في كلام ابن المديني وغيره ".

وقال الإمام الحاكم في علوم الحديث ص25 : وأصحها ـ كما قال ابن معين ـ مراسيل ابن المسيَّب ؛ لأنه من أولاد الصحابة ، وأدرك العشرة ، وفقيه أهل الحجاز ، ومفتيهم ، وأول الفقهاء السبعة الذين يعتَدُّ مالكٌ بإجماعهم ، كإجماع كافة الناس ، وقد تأمل الأئمة المتقدمون مراسيله فوجدوها بأسانيد صحيحة ، وهذه الشرائط لم توجد في مراسيل غيره ".

 

دواعي الإرسال وأسبابه

 

قال الشيخ عبد العزيز السيروان في دراسته وتحقيقه لكتاب المراسيل لأبي داود ص42: " وقد حدد شكر الله قوجاني في مقدمة مراسيل ابن أبي حاتم ص17-18 دواعي الإرسال وأسبابه في عدة نقاط هي :

1- التساهل في التصريح بالتلقي المباشر بسبب قرب العهد بالرسول صلى الله عليه وسلم ، وصدق الرواة وأمانتهم ، وتوثقهم بعضهم من بعض ، ويدخل في هذا رواية صغار الصحابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ كابن عباس ، وابن عمر ، وأنس ، وابن الزبير ...

2- التساهل في تحديد صيغ الرواية في عهد التابعين ؛ بسبب عدم وجود قواعد ضابطة ثابته واضحة في بيان أصول الرواية .

3- التساهل في بيان الإسناد في عهد الصحابة وكبار التابعين ؛ وذلك للورع والأمانة التي كان يتخلق بها ذلك الجيل ، حتى أواخر القرن الأول الهجري ، حيث وجب الالتزام بالإسناد لفشو الكذب ، وكثرة الوضع .

4- التساهل في استعمال صيغ الرواية في عهد التابعين ، وعدم التفريق بين : عن ، أن ، قال ... وغيرها ؛ وذلك لعدم وجود قواعد محددة واضحة في طرق الرواية .

5- التدليس وإصرار بعض الرواة على الرواية عمّن لم يلقوهم ، إما افتخارا بالرواية ، وإما مكابرة بسبب ضعف الرواية .

6- الرواية من الصحف ، فقد كثرت الصحف والأجزاء في عهد التابعين ، فكان بعض المحدثين من التابعين ، وحتى الصحابة يكتب بعضهم إلى بعض بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فتروى عنهم ، وإن لم يلق بعضهم بعضا ، وكذلك نجد بعض الرواة يرثون ، وآخرون ينسخون ، أو يشترون صحفا ، أو كتبا لمحدثين أحياء ، أو متوفين ، فيروون أحاديثهم من تلك الصحف ، من غير أن يسمعوها منهم .

7- اشتباه ووهم بعض الرواة في روايتهم الأحاديث المسندة ، فيسقطون ، بسبب قلة حفظهم ـ أو ضعفه ـ بعض الرواة من الأسانيد .

 

أهم الكتب المصنفة في المراسيل

 

1- المراسيل ـ للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ت: 275 هـ .

2- كتاب المراسيل ـ للإمام أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ت: 327هـ .

3- جامع التحصيل لأحكام المراسيل ـ للحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي

      الدمشقي ، ت: 761 هـ .

4- تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل ـ لأبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين

     الكردي ت: 826 هـ .

5- كتاب المراسيل وما يجري مجراها ـ للحافظ جمال الدين أبي الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزّي ت: 742 هـ . ضمن كتابه الرائع الفريد " تحفة الأشراف في معرفة الأطراف " في المجلد الثالث عشر منه .

 المرسل : [ 1 ] ، [ 2 ]

<< السابق                                                                 التالي >>

إلى أعلى