أ . توفيق عمر سِيّدي

استشارة الزوجة والاستبصار برأيها 

اقتضت حكمة الله البالغة أن يكون المجتمع الإنساني مؤلفا من عنصرين هامّين ـ لا غنى لأحدهما عن الآخر ـ هما جنس الرجال وجنس النساء .

وركّب في كل منهما ميلا ورغبة في الآخر ليكمل بهم النظام الاجتماعي . وشرع لتحقيق هذا الميل وهذه الرغبة رابطا مقدسا يحقق هدفا نبيلا ، ويجعل العلاقة بين الرجل والمرأة محفوفة بالطهر والعفة ، والرحمة والمودة ، والعناية والرعاية ، والتعاون والمسؤولية .... وهذا الرابط هو الزواج .

هذا الرابط المتين هو الذي ينشئ الأسرة الفاضلة .

وأنت تعلمين ـ أيتها الأخت الفاضلة الكريمة ـ أن المجتمع مؤلف في كليّته من مجموع أُسَرٍ فبقدْر تماسكها وترابطها ؛ تكون قُوّتُه ومتانَتُهُ ، وبقَدْر ضعفها وتفككها ؛ يكون تفلُّتُه وانحلاله .

وكلنا يعلم أن نظم الإسلام الاقتصادية والسياسية ... معطلة في أرض الإسلام من قبل خصومه ، مع تمالؤ الكثيرين من أبناء المسلمين ، حتى أن الروابط الاجتماعية كذلك أصبحت مهلهلة ضعيفة ، ورغم هذا التكالب على إلغاء أحكام الإسلام أو تهميشها ـ { والله غالب على أمره } ـ حفظ الله لنا نظام الأسرة التي هي المعقل الأخير الذي يروم الحاقدون تفتيته وتوهينه وتمزيقه ، رغبة منهم في حَلِّ عُرَى المجتمع الإسلامي وتعطيل قيمه ومبادئه .

فنراهم تارةً يرفعون شعار " تحرير المرأة " ، وطوراً " العنف ضد المرأة " وتارة أخرى " العنف في العائلة "، وهم يتناسون ـ جهلا منهم ، أو تجاهلا ـ التكريم الرائع ، والتوقير البالغ ، والحفاوة الشديدة ، والعناية الفائقة ، التي حظيت بها المرأة في ظل الإسلام أُمًّا وأُخْتًا وبنتا وزوجة ...

وأَجِدُك أختي الفاضلة توافقينني الرأي أن تكريم الإسلام للمرأة واضح وضوح الشمس للعيان ، فلا يحتاج منا سعيا في إظهاره ، ولا نصبا لمزيد البيان .

وحيث كانت تعاليم الإسلام تحظى بالعناية ، وأحكامه تحظى بالرعاية ، وكانت مبادئه محظية ، وحدوده مرعية ؛ كان تكريم المرأة أظهر ، وتقديرها أكبر .

وإذا ما كانت الحِظْوة للموروث من العادات الجامدة ، أو التقاليد المنحرفة الآثمة ، أو كان الافتتان ببريق المدنيّة الزائفة ؛ كانت المرأة بين تفريط وإفراط . تفريط يُضِيع حقوقها، ويُذِيب شخصيتها .

أو إفراط يؤدي إلى إهدار كرامتها ، وإرخاص قيمتها ، حتى أنهم لا يتورعون في جعلها آلة لإشباع نَزَواتهم الحيوانية الثائرة ، وغرائزهم البهيمية المُسْتعِرة ، أو اتخاذها أداة لتسويق سلعٍ  كاسدة ، أو التوصل بها إلى تحقيق مطامِعَ وأغراضٍ فاسدة .

وأرى من المفيد ـ في هذه العُجالة ـ أن أُتْبِعَ ما أسْلفتُ بيانا لحقٍ واحد من حقوق المرأة الوافرة الكاثرة ، والتي حاطها الإسلام بالصِّيانة والحماية ، وكللها بالرعاية والعِناية . هذا الحق هو حقُّ الرجوع إليها بالتشاور المفيد والاستبصار برأيها السديد . هذا الحق الذي إذا كان في رمال التفريط ضاع ، وإذا كان في أَوْحَال الإفراط إنْمَاع ، وإذا كان في الماء العذب الزلال أضاء واستنار كالشعاع .

لقد كانت المرأة تستشارُ ويُرْجعُ إلى رأيها في أكرم العصور وأفضلها وخيرها وأجلها ، وهو عصر النبي صلى الله عليه وسلّم . ففي كتاب " عُيون الأخبار " لابن قتيبة 1/82 بإسناده إلى الحسن رحمه الله تعالى : قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستشير حتى المرأة فتشير عليه بالشيء ؛ فيأخذ به . وقد ثبت من هديه صلى الله عليه وسلّم أنّه استشار أم سلمة رضي الله تعالى عنها ، وقد كانت راجحة العقل نافذة البصر ففي الجامع الصحيح للإمام البخاري برقم (1566) من حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه في قصة الحديبية وفيها: قال فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه :" قوموا فانحروا ثم احلقوا "، قال فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة رضي الله عنها فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك ؟ اخرج لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحَرَ بُدْنَك وتدعو حالِقَك فيحلِقَك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً" .

وقد أوضح الحسن البصري ما يؤخذ من هذه الواقعة‏،‏ من شرعية استشارة النساء‏،‏ فقال‏:‏ إنْ كان رسول الله لفي غنى عن مشورة أم سلمة‏،‏ ولكنه أحب أن يقتدي الناس في ذلك‏،‏ وأن لا يشعر الرجل بأي معرّة في مشاورة النساء‏.‏

قال د. البوطي :" وقد كان الخلفاء الراشدون يستشيرون النساء‏،‏ وكان في مقدمتهم عمر رضي الله عنه‏،‏ وكان أبو بكر وعثمان وعلي يستشيرون النساء ، ولم نجد في شيء من بطون السيرة والتاريخ أن أحداً من الخلفاء الراشدين حجب عن المرأة حق استشارتها والنظر في رأيها ‏".‏

ومما يدل على ثبوت حقّها في الاستشارة ما روى عبدُالله بنُ عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الثيب أحق بنفسها من وليها ، والبكر تُستأمر وإذنها سكوتها " مسلم (1421). وعن أمِّ المؤمنين عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : جاءت فتاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن أبي زوجني ابن أخيه يرفع بي خسيسته ، فجعل الأمر إليها ، قالت : فإني قد أجزت ما صنع أبي ، ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء " أخرجه الإمام أحمد في المسند (24522) . وأخرج الإمام البخاري في صحيحه : في الأدب : باب لا يجاهد إلا بإذن الأبوين برقم (5972)  عن عبد الله بن عمرو قال : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم أجاهد ؟ قال : لك أبوان ؟ قال : نعم ، قال : ففيهما فجاهد ". وهذا فيه لزوم استشارة الأمّ قبل الخروج ، إذ كيف يحصل على موافقتها ـ إن لم ترض ابتداءً ـ من غير الرجوع إليها واستشارتها . واستشار عمر رضي الله عنه حفصة في المدة التي تحدد لابتعاد الزوج عن زوجته وأمضى كلامها وأصدر مرسوماً بذلك . وذكر ابن حجر في الإصابة عن أبي بردة عن أبيه قال: ما أشكل علينا أمر فسألنا عنه عائشة رضي الله عنها، إلا وجدنا عندها فيه علماً . وقال عطاء: كانت عائشة أفقه الناس وأحسن رأياً في العامة .

إن المرأة مخلوق كريم ، ولها شخصيتها ، لذا كان من حقها أن يُرْجَعَ إليها في الاستشارة وإسداء الرأي والنصح ، فيما تطيقه ، وفي حدود خبرتها واختصاصها ، من غير إفراط أهل المجون والجهالة الذين يخرجونها عن أنوثتها وحُنُوِّها ورِقَّتِها ، حتى يجعلونها تزاحم الرجال في أمور الإمامة العظمى ، ولربما تسيير الجحافل والجيوش . ومن غير تفريط ذوي الجهل والجمود ؛ الذين ينظرون إلى المرأة كمخلوق مهين ، لا شخصية لها ولا اعتبار ، فيمنعونها حقها في الاستشارة ـ وغيرها من الحقوق . ولعلك أختي الكريمة الفاضلة لا تعجبين ـ لعموم البلوى ـ من أقوالهم الجائرة ودعاويهم الكاذبة والتي تنهى عن مشاورة النساء وتحذر منها، كقولهم :" شورة المرأة إن نفعت بخراب سنة، وإن ما نفعت بخراب العمر "، وكقولهم " شاوروهن وخالفوهن " وينسبونه إلى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم . وليس هو بحديث ، وإنما هو كلام مختلق ، ولعله تسرّب إلى العامة من الرافضة المبتدعة ، فقد قرأت في بعض كتبهم في أحد مواقعهم (رافد) على شبكة الإنترنت:" باب كراهية مشاورة النساء إلا بقصد المخالفة " وساق صاحبُه خبرا فيه مجاهيل ، وفيه " يا علي إن كان الشؤم في شيء ففي لسان المرأة ".

فالحمد لله الذي جعل الدين قواما ، وجعل حفظ الحقوق ، وإقامة الحدود أمراً لِزاما .

 

 

 

 

 

نشر في : مجلة إشراقة ؛ ( مجلة أسرية اجتماعية ثقافية ، ودعوية ) – أم الفحم .

العدد العاشر ، صفر 1423 هـ = أيار 2002 م .