اتصل بنا

من نحن

محاضرات

مؤلفات

مقالات

أبحاث

الرئيسية 

 

      1 2 3     التالي

نسخة للطباعة

 

   تعدد الزوجات

نقلا عن موقع الشبكة الإسلامية                                     د.مصطفى السباعي

فكرة التعدد :

يشن الغربيون المتعصبون من رجال الدين والاستشراق والاستعمار حملة قاسية على الإسلام  والمسلمين  بسبب تعدد الزوجات !!! ويتخذون منها دليلاً على اضطهاد الإسلام للمرأة ، واستغلال المسلمين لها في إرضاء شهواتهم ونزواتهم .  والغربيون في ذلك مكشوفو الهدف ، مفضوحو النية ، متهافتو المنطق      .

1. فالإسلام لم يكن أول من شرع  تعدد الزوجات ، بل كان موجوداً في الأمـم القديمة كلها تقريباً : عند الأثينيين ، والصينيين ، والهنود ، والبابليين ،والآشوريين ، والمصريين ، ولم يكن له _ عند أكثر هذه الأمم _ حد محدود ، وقد سمحت شريعة    " ليكي " الصينية  بتعدد الزوجات إلى مائة وثلاثين امرأة ، وكان عند أحد أباطرة الصين نحو ثلاثين ألف امرأة  !!  

2. والديانة اليهودية كانت تبيح التعدد دون حد ، وأنبياء التوراة جميعاً بلا استثناء كانت لهـم زوجـات كثيرات ، وقد جـاء في التوراة أن نبي الله سليمان كان له سبعمائة امرأة من الحرائر ، وثلاثمائة من الإماء .

3. ولم يرد في المسيحية نصٌّ صريح يمنع التعدد ،  وإنما ورد فيه على سبيل الموعظة أن الله خلق لكل رجل زوجته ،وهذا لا يفيد -على أبعد الاحتمالات - إلاالترغيب بأن يقتصر الرجل في الأحوال العادية على زوجة واحدة ، والإسلام يقول مثل هذا القول، ونحن لا ننكره، ولكن أين الدليل على أن زواج الرجل بزوجة ثانية مع بقاء زوجته الأولى في عصمته يعتبر زنـًا ويكون العقد باطلاً ؟ .

ليس في الأناجيل نـص على ذلك ، بل في بعض رسائل بولـس ما يفيد أن التعدد جائز ،  فقد قال : يلزم أن يكون الأسقف زوجـاً لزوجة واحدة  ففي إلـزام الأسقف وحده بذلك دليل على جوازه لغيره .

وقد ثبت تاريخياً أن بين المسيحيين الأقدمين من كانوا يتزوجون أكثر من واحـدة ،  وفي آباء الكنيسة الأقدمين من كان لهـم كثير من الزوجات ، وقد كان في أقـدم عصور المسيحية  إباحة تعدد الزوجات في أحوال استثنائية وأمكنة مخصوصة .

قال وستر مارك Wester Mark)  ) العالم الثقة في تاريخ الزواج : ( إن تعدد الزوجات - باعتراف الكنيسة - بقي إلى القرن السابع عشر، وكان يتكرر كثيراً في الحالات التي لا تحصيها الكنيسة والدولة ) .

ويقول أيضاً في كتابه المذكور : إن "        ديار ماسدت "         ملك أيرلندة كان له زوجتان وسرِّيتـان  . اهـ  ..         وتعددت زوجات الميروفنجيين غير مرة في  القرون الوسطى

وكان  لشرلمان زوجتان وكثير من السراري ، كما يظهر من بعض  قوانينه أن تعدد الزوجات لم يكن مجهولاً بين رجال الدين أنفسهم .

وبعد ذلك بزمن كان فيليب أوفاهيس ، وفردريك وليام الثاني البروسي يبرمان عقد الزواج مع اثنتين بموافقة القساوسة اللوثريين ،وأقر مارتن لوثر نفسه تصرف الأول منهما كما أقره ملانكنون .

وكان لوثر يتكلم في شتى المناسبات على تعدد الزوجات بغير اعتراض ، فإنه لم يحرم بأمر من الله ، ولم يكن إبراهيم صلى الله عليه وسلم  - وهو مثل المسيحي الصادق  - يحجم عنه إذ كان له زوجتان . .         نعم إن الله أذن بذلك لأناس من رجال  العهـد القديم في ظروف خاصة ولكن المسيحي الذي يريد أن يقتدي بهم  يحق له أن يفعل ذلك متى تيقن أن ظروفه تشبه تلك الظروف ، فإن تعدد الزوجات على كل حال أفضل من الطلاق .

وفي سنة 1650 ميلادية بعد صلح وستفاليا، وبعد أن تبين النقص في عدد السكان من جراء حروب الثلاثين  ، أصدر مجلس الفرنكيين بنورمبرج قراراً  يجيز للرجل أن يجمع بين زوجتين .. بل ذهبت بعض الطوائف المسيحية إلى إيجاب تعدد الزوجات ، ففي سنة 1531م نادى اللامعمدانيـون في مونستر صراحة بأن المسيحي -  حـق المسيحي - ينبغي أن تكون له عدة زوجات، ويعتبر المورمون كما هو معلوم أن تعدد الزوجات نظام إلهي مقدس .

ويقول الأستاذ العقاد :  ( ومن المعلوم  أن اقتنـاء السـراري كان مباحاً - أي في المسيحية - على إطلاقه كتعدد الزوجات ، مع إباحة الرق جملة في البلاد الغربيـة ، لا يحده إلا ما كان يحد تعدد الزوجات ، من ظروف المعيشة البيتية .         ومن صعوبة جلب الرقيقات المقبولات للتسري من بلاد أجنبية ، وربما نصح بعض الأئمة - عند النصارى - بالتسري لاجتناب الطلاق في حالة عقم الزوجة الشرعية .

ومن ذلك ما جـاء في الفصل الخامس عشر من كتاب الزواج الأمثـل للقديـس أوغسطين ، فإنه يفضل التجـاء الزوج إلى التسري بدلاً من تطليق زوجته العقيم         

وتشير موسوعة العقليين إلى ذلك ، ثم تعود إلى الكلام عن تعدد الزوجات فتقول : إن الفقـيد الكبير جروتيوس دافع عن الآباء الأقدمين فيما أخذه بعـض الناقدين المتأخرين عليهم من التزوج بأكثر من واحدة ، لأنهم كانوا يتحرون الواجب ، ولا يطلبون المتعة من الجمع بين الزوجات .

وقال جرجي زيدان : ( فالنصرانية ليس فيها نص صريح يمنع أتباعها من التزوج بامرأتين فأكثر ، ولو شاؤوا لكان تعدد الزوجات جائزاً عندهم ، ولكن  رؤساءها القدماء وجدوا الاكتفاء بزوجة واحدة أقرب لحفظ نظـام العائلة واتحادها - وكان ذلك شائعاً في الدولة الرومانية - فلم يعجزهم تأويل آيات الزواج حتى صار التزوج بغير امرأة واحدة حراماً كما هو مشهور ) .

4. ونرى المسيحية  المعاصرة تعترف بالتعـدد في أفريقيا السوداء ، فقـد وجدت الإرسالية التبشيرية نفسها أمام واقع اجتماعي وهو تعدد الزوجات لدى الافريقيين الوثنيين، ورأوا أن الإصرار على منع التعدد يحول بينهم وبين الدخول في النصرانية، فنادوا بوجوب السماح للافريقيين المسيحيين بالتعدد إلى غير حد محدود ، وقد ذكر السيد نورجيه مؤلف كتاب "       الإسلام والنصرانية في أوساط أفريقية" ( 92-98 )         هذه الحقيقة ثم قال :  "        فقد كان هؤلاء المرسلون يقـولون إنه ليس من السياسة أن نتدخل في شؤون  الوثنيين الاجتماعية التي وجدناهم عليها ، وليس  من الكياسة أن نحرم عليهم التمتع بأزواجهم ما داموا نصارى يدينون بدين المسيح، بل لا ضرر من ذلك ما دامت التوراة وهي الكتاب الذي يجب على  المسيحيين أن يجعلوه أسـاس دينهم - تبيح هذا التعدد ، فضلاً عن أن المسيح قد أقر ذلك في قوله: ( لا تظنوا أني جئت لأهدم بل لأتمم  ) ا هـ .

وأخيراً أعلنت الكنيسة رسمياً السماح للأفريقيين النصارى بتعدد الزوجات إلى غير حد ٍّّ         !!

5. والشعوب الغربية المسيحية وجدت نفسها تجاه زيادة  عدد النساء على الرجال عندها - وبخاصة بعد الحربين العالميتين  - إزاء مشكلة اجتماعية خطيرة لا تزال تتخبط في إيجاد الحل المناسب لهــا ، وقد كان من بين الحلول التي برزت ، إباحة تعـدد الزوجات .

فقد حدث أن مؤتمراً للشباب العـالمي عقـد في "        ميونخ "       بألمانيـا عام 1948م  واشترك فيه بعض الدارسين المسلمين من البلاد العربية، وكان من لجانه لجنة تبحث مشكلة زيادة عدد النساء في المانيا أضعافاً مضاعفة عن  عدد الرجال بعـد الحرب  وقد استعرضت مختلف الحلول لهذه المشكلة ، تقـدم الأعضاء المسلمون في هـذه اللجنة باقتراح إباحـة تعدد الزوجات ، وقوبل هذا الرأي أولاً بشيء من الدهشة والاشمئزاز ، ولكن أعضاء  اللجنة اشتركوا جميعـاً في مناقشته فتبين بعـد البحث الطويل أنه لا حل غيره ، وكانت النتيجة أن أقـرت اللجنة  توصية المؤتمر بالمطالبة بإباحة تعدد الزوجات لحل المشكلة .

وفي عام 1949م  تقدم أهالي "        بون "        عاصمة ألمانيا الاتحادية بطلب إلى السلطات المختصـة يطلبون فيه أن يُنـَص في الدستور الألماني على إباحة تعـدد الزوجات .

ونشرت الصحف في العام الماضي أن الحكومة الألمانية أرسلت إلى مشيخة الأزهـر تطلب منها نظام تعدد الزوجات في الإسلام ؛ لأنها تفكر في الاستفادة منه في حـل مشكلة زيادة النساء ، ثم أتبع ذلك وصول  وفـد من علماء الألمان  اتصلوا بشيخ الأزهر لهذه الغاية ، كما التحقت بعض الألمانيات المسلمات بالأزهر لتطلع  بنفسها على أحكام الإسلام في موضوع المرأة عامة وتعدد الزوجات خاصة .

وقد حدثت محاولة قبل هذه المحاولات في ألمانيـا أيام الحكم النازي لتشريع تعـدد الزوجات ، فقد حدثنا زعيم عربي إسلامي كبير أن هتـلر حدثه برغبته في وضـع قانون يبيح تعـدد الزوجات ، وطلب إليه أن يضع له في ذلك نظـاماً مستمداً من الإسلام ، ولكن قيام الحرب العالمية الثانية حالت بين هتلر وبين تنفيذ هذا الأمر .

وقـد سبق أن حاول "        إدوارد السابع "       مثل هذه المحاولة فأعـد مرسوماً  يبيح فيه التعدد ، ولكن مقاومة رجال الدين قضت عليه .

ثم إن المفكرين الغربيين الأحرار أثنوا على تعدد الزوجات ، وبخاصة عند المسلمين ، فقد عرض "        جروتيوس "       (Grotious) العالم القانوني المشهور لموضوع تعدد الزوجات فاستصوب شريعـة الآباء العبرانيين  والأنبياء في العهـد القديم  ، وقال الفيلسوف الألماني الشهير "       شوبنهور " في رسالته كلمة عن النساء : " إن قـوانين الزواج في أوروبا فاسدة المبنى بمساواتها المـرأة بالرجل ، فقد جعلتنا نقتصـر على زوجة واحدة ، فأفقدتنا نصف حقوقنا، وضاعفت علينا واجباتنا، على أنها ما دامت أباحت للمرأة حقوقاً مثل الرجل كان من اللازم أن تمنحها أيضاً عقلاً مثل عقله. ..

إلى أن يقول : ولا تعدم امرأة من الأمم التي تجيز تعـدد الزوجات زوجـاً يتكفل بشؤونها، والمتزوجات عندنا نفر قليل ، وغيرهن لا يحصين عدداً ، تراهن بغير كفيل         بين بكر من الطبقات العليا قد شاخت وهي هائمة متحسرة ، ومخلوقات ضعيفة من الطبقات السفلى، يتجشمن الصعاب، ويتحملن شاق الأعمال، وربما ابتذلن فيعشن تعيسات متلبسات بالخزي والعار، ففي مدينة لندن وحدها ثمانون ألف بنت عمومية ( هذا على عهد شوبنهور ) سفك دم شرفهن على مذبحة الزواج ضحية  الاقتصار على زوجة واحدة ، ونتيجة تعنت السيدة الأوربية وما تدعيه لنفسها من الأباطيل .

( أما آن لنا أن نعد بعد ذلك تعدد الزوجات حقيقة لنـوع النساء بأسره ) ؟ إذا رجعنا إلى  أصول الأشياء لا نجد ثمة سبباً يمنع الرجل من التزوج بثانية إذا أصيبت امرأته بمـرض مزمن تألم منه ، أو كانت عقيما ً، أو على توالي السنـين أصبحت عجوزاً ، ولم تنجح المورمون ( وهي فرقة من البروتستانت تبيح تعـدد  الزوجات وتمارسه فعلاً ولها كنائسها المنتشرة في أوروبا وأمريكا) في مقاصدها إلا بإبطال هذه الطريقة الفظيعة طريقة الاقتصار على زوجة واحدة .

وتحدث ( غوستاف لوبون ) في "        حضارة العرب "        عن تعـدد الزوجـات عنـد المسلمين ، وهو الذي عاش بنفسه  سنوات طويلة في بلاد الشرق والإسلام فقال : "        لا نذكر نظاماً اجتماعياً أنحى الأوروبيون عليه باللائمة كمبدأ تعـدد الزوجات، كما أننا لا نذكـر نظاماً أخطـأ الأوروبيون في إدراكه كذلك المبـدأ، فيرى أكثر مؤرخي أوروبا اتزاناً أن مبدأ  تعدد الزوجات حجر الزاوية في الإسلام ، وأنه سبب انتشار القرآن ، وأنه علة انحطاط الشرقيين، ونشـأ عن هذه المزاعـم الغربية على العموم أصوات سخط ورحمة بأولئك البائسات المكدسات في دوائر الحريم فيراقبهن خصيان غلاظ ، ويُقتلن حينما يكرههن سادتهن !! فعلق لوبون قائلاً: ذلك الوصف مخالف للحق ، وأرجو أن يثبت عند القارئ الذي يقرأ هـذا الفصل بعد أن يطرح عنه أوهامه الأوروبية جانباً ، أن مبـدأ تعدد الزوجات الشرقي نظـام طيب يرفع المستوى الأخـلاقي في الأمم التي تقول به ، ويزيد الأسرة ارتباطا ً، ويمنـح المرأة احتراماً وسعـادة لا تراها في أوروبا ، وأقول قبل إثبات ذلك : إن مبـدأ تعـدد الزوجات ليس خاصاً بالإسلام، فقد عرفه اليهود والفرس والعرب وغيرهم من أمم الشرق قبل ظهور ( محمد) صلى الله عليه وسلم ، ولم تر الأمم التي  دخلت الإسلام فيه غنماً جديداً إذن، ولا نعتقد مع ذلك وجود ديانة قوية تستطيع أن تحول الطبائع فتبتدع أو تمنـع مثل ذلك المبدأ الذي هو وليد جـو الشرقيين وعروقهم وطـرق حياتهم .

إن تأثير الجو والعِرق من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى إيضاح كبير ، فبما أن تركيب المرأة الجثماني، وأمومتها، وأمراضها .. إلخ  . مما يكرهها على الابتعاد عن زوجها في الغالب .

وبما أن التأيم المؤقت مما يتعذر في جو الشرق ، ولا يلائم مزاج الشرقيين، كان مبدأ تعدد الزوجات لازمًا .

وفي الغرب ، حيث الجو والمزاج أقـل هيمنة ، لم يكن مبدأ الاقتصار على زوجـة  واحدة في غير القوانين ، لا ولم يكن في الطبائع حيث يندر !..

ولا أرى سبباً لجعل مبدأ تعدد الزوجات الشرعي عند الشرقيين أدنى مرتبة من مبدأ تعدد الزوجات السري عنـد الغربيين ، مع أنني أبصر بالعكس ما يجعله أسنى منه، وبهذا ندرك مغزى تعجب الشرقيين الذين يزورون مدننـا الكبيرة من احتجاجنـا عليهم ، ونظرهم إلى هذا الاحتجاج شزراً ) .

ثم ينقل غوستاف لوبون ملاحظات العالم المتدين "       لوبليه "        في كتابه "عمال الشرق "         عن الضرورة التي  تدفع أرباب الأسر الزراعية في الشرق إلى زيادة عدد نسائهم ، وكون النساء في هذه الأسر هن اللائي يحرضن أزواجهن على البناء بزوجات أخر من غير أن يتوجعن .

وختم ذلك بقوله : إن رأي الأوربيين ( في تعدد الزوجات )         ناشىء عن نظرهم إلى الأمر من خلال مشاعرهم ، لا من خلال مشاعر الآخرين . وقال: ( ويكفي انقضاء بضعة أجيال لإطفاء أوهام أو إحداثها ) .

ويقول وستر مارك في تاريخه : "        إن مسألة تعدد الزوجات لم يفرغ منها بعـد تحريمه في القوانين الغربية ، وقد يتجدد النظر في هذه المسألة كرة بعد أخرى كلما تحرجت أحوال المجتمع الحديث فيما يتعلق بمشكلات الأسرة .

ثم تساءل : هل يكون الاكتفاء بالزوجة الواحدة ختـام النظم ، ونظـام المستقبل الوحيد في الأزمنة المقبلة ؟ .

ثم أجاب قائلاً : إنه سؤال أجيب عنه بآراء مختلفة، إذ يرى سبنسر أن نظام الزوجة الواحدة هو ختام الأنظمة الزوجية ، وأن كل تغيير في هذه الأنظمة لا بد أن يؤدي إلى هذه النهاية .

وعلى نقيض ذلك يرى الدكتور  Lepon أن القوانين الأوروبية سوف تجيز التعدد ، ويذهب الأستاذ إهرنفيل     Ehrenbel إلى حد القول بأن التعدد ضروري للمحافظة على بقاء "        السلالة الآرية "        ،         ثم يعقب وستر مارك بترجيح الاتجاه إلى توحيد الزوجة إذا سارت الأمور على النحو الذي أدى إلى تقريره .

وإذا نحن حاكمنا الموضوع محاكمة منطقية بعيدة عن العاطفة وجدنا للتعدد حسناته وسيآته، وحسناته ليست من حيث التعدد ذاته ، فما من شك أن وحدة الزوجـة أولى وأقرب إلى الفطرة ، وأحصن للأسرة ، وأدعى إلى تماسكها ، وتحاب أفرادها ، ومن أجل ذلك كان هو النظام الطبيعي الذي لا يفكر الإنسان المتزوج العاقـل في العدول عنه إلا عند الضرورات، وهي التي تسبغ عليه وصف الحسن، وتضفي عليه الحسنات .

ضرورات التعدد:

والضرورات هنا تنقسم إلى اجتماعية وشخصية :

 ضرورات التعدد الاجتماعية :

أما الضرورات الاجتماعية التي تلجىء إلى التعـدد فهي كثيرة نذكر منها حالتين

لا ينكر أحد وقوعهما :

1. عند زيادة النساء على الرجال في الأحوال العادية ، كما هو الشأن في كثير من البلدان كشمال أوروبا ، فإن النساء فيها في غير أوقات الحروب  وما بعدها  تفوق الرجال بكثير ، وقد قال لي طبيب في دار للتوليد في هلسكني ( فنلندا ) إنه من بين كل أربعة أطفال أو ثلاثة يولدون يكون واحد منهم ذكراً والباقون إناثاً .

ففي هذه الحالة يكون  التعدد أمراً واجباً أخلاقياً واجتماعياً ، وهو أفضل بكثير من تسكع النساء الزائدات عن الرجال في الطرقات لا عائل لهـن ولا بيت يؤويهن ، ولا يوجد إنسان يحترم استقرار النظام الاجتماعي يفضل انتشار الدعارة على تعدد الزوجات ، إلا أن يكون مغلوباً على هواه ، كأن يكون رجلاً أنانياً يريد أن  يشبع غريزته الجنسية دون أن يحمل نفسه أي التزامات أدبية أو مادية نحو من يتصل بهن، ومثل هؤلاء خراب على المجتمع، وأعداء للمرأة نفسـها ، وليس مما يشرف قضية الاقتصار على زوجة واحدة أن يكونوا من أنصارهـا ، وحياتهم هذه تسخر منهم ومن دعواهم .

ومنذ أوائل هذا القرن تنبه عقلاء الغربيين إلى ما ينشأ من منع تعـدد الزوجات من تشرد النساء وانتشار الفاحشة وكثرة الأولاد غير الشرعيين ، وأعلنوا أنه لا علاج لذلك إلا السماح بتعدد الزوجات . فقد نشرت جريدة ( لاغوص ويكلي ركورد)، نقلاً عن جريدة ( لندن تروث) بقلم إحدى السيدات الإنجليزيات ما يلي : "       لقد كثرت الشاردات من بناتنا ، وعم البـلاء ، وقل الباحثون عن أسباب ذلك ، وإذ كنت امرأة تراني أنظر إلى هاتيك البنات ، وقلبي يتقطع شفقة عليهن وحزناً ، وماذا عسى يفيدهن بثي وحزني وإن شاركني فيه الناس جميعاً ؟ لا فائدة إلا في العمل بمـا يمنع هذه الحالة الرجسة ، ولله در العالم الفاضل ( تومس ) فإنه رأى الداء ووصف له الدواء الكامل الشفاء وهو : الإباحة للرجل أن يتزوج بأكثر من واحدة، وبهذه الواسطة يزول البلاء لا محالة وتصبح بناتنا ربات بيوت، فالبلاء كل البلاء في إجبار الرجل الأوروبي على الاكتفاء بامرأة واحدة .. ( إن هذا التحديد بواحدة هو الذي جعل بناتنا شوارد، وقذف بهن إلى التماس أعمال الرجال، ولا بد من تفاقم الشـر إذا لم يبح للرجل التزوج بأكثر من واحدة )، ( أي ظن وخرص يحيط بعدد الرجال المتزوجين الذين لهم أولاد غير شرعيين أصبحوا كلاًّ وعاراً وعالة على المجتمع ، فلو كان تعدد الزوجات مباحاً لما حاق بأولئك الأولاد وأمهاتهم ما هم  فيه من العذاب الهون ، ولسلم عرضهن وعرض أولادهن .. إن إباحة تعدد الزوجات تجعل كل امرأة ربة بيت وأم أولاد شرعيين .

وتدل الإحصائيـات التي تنشر في أوروبـا وأمريكا على ازدياد  نسبة الأولاد غير الشرعيين زيادة تقلق الباحثين  الاجتماعيين ، وهؤلاء ليسوا إلا نتيجة عدم  اقتصار الرجل على امرأة واحدة ، وكثرة النساء اللاتي لا يجدن طريقاً مشروعاً للاتصـال الجنسي .

2. عند قلة الرجـال عن النسـاء قلة بالغة نتيجة الحروب الطاحنة، أو الكوارث العامة ، وقد دخلت أوروبا حربين عالميتين  خلال ربع قـرن ، ففني  فيهـا ملايين الشباب ، وأصبحت جماهير من النساء ما بين فتيات متزوجات ، قد فقدن عائلهن، وليس أمامهن - ولو وجدن عملاً -  إلا أن يتعرفن على المتزوجين الذين بقوا أحياء ، فكانت النتيجة أن عملن بإغرائهن على خيانة الأزواج لزواجاتهم ، أو انتزاعهم من أحضان زوجاتهم ليتزوجن بهم .

وقد وجدت النساء المتزوجات في هذه الأحوال من القلق وتجرع الهجـر والحرمان ما يفوق مرارة انضمام زوجة أخرى شرعية إلى كل واحدة منهن ، وقامت في بعض بلاد أوروبا - وخاصة في المانيا - جمعيات نسائية تطالب بالسماح بتعدد الزوجات، أو - بتعبير أخف وقعاً- في أسماع الغربيين وهو "        إلزام الرجل بأن يتكفل امرأة أخرى غير زوجته "          .

وضرورات الحـروب ونقصان الرجال فيها لا تدع مجالاً للمكابرة في أن الوسيلة الوحيدة لتلافي الخسارة  البالغة هو السماح بتعـدد الزوجات ، وهذا  الفيلسوف الإنجليزي سبنسر برغم مخالفته لفكرة تعدد الزوجات، يراها ضرورة للأمة التي يفنى رجالها في الحروب ،         يقول "        سبنسر" في كتابه أصول علم الاجتماع         :         ( إذا طرأت على الأمة حال اجتاحت رجالها  بالحروب ولم يكن لكل رجل من الباقين  إلا زوجة واحدة ، وبقيت نساء عديدات بلا أزواج ، نتج عن ذلك نقص في عدد المواليد لا محالة ، ولا يكون عددهم مساوياً لعدد الوفيات ، فإذا تقاتلت أمتان مع فرض أنهما متساويتـان في جميع  الوسائل المعيشية وكانت إحداهما لا تستفيد من جميع نسائها بالاستيلاد ، فإنها لا تستطيع أن تقاوم خصيمتها التي يستولد رجالها جميع نسائها ، وتكون النتيجة أن الأمة الموحدة للزوجات تفنى أمام الأمة المعددة للزوجات ) .

ضرورات التعدد الشخصية  :

هناك حالات كثيرة قد تلجىء الإنسان إلى التعدد ، نذكر منهـا على سبيل المثال:

1. أن تكون زوجته عقيماً ، وهو يحب الذرية ، ولا حـرج عليه في ذلك ، فحب الأولاد غريزة في النفس الإنسانية ، ومثل هـذا ليس أمامه إلا أحد أمرين:  إما أن يطلق زوجته العقيم، أو أن يتزوج أخرى عليها، ولا شك في أن الزواج عليها أكرم باخلاق الرجال ومرآتهم من تطليقها ؛ وهو في مصلحة الزوجة العاقر نفسها ، وقد رأينا بالتجربة أنها في مثل هذه الحالة    تفضل أن تبقى زوجة ولها شريكة أخرى في حياتها الزوجية ، على أن تفقد بيت الزوجية، ثم لا أمل لها بعد ذلك فيمن يرغب في الزواج منها بعد أن يعلم أن طلاقها كان لعقمها، هذا هو الأعم الأغلب، إنها حينئذٍ مخيرة بين التشرد أو العودة إلى بيت الأب ، وبين البقاء في بيت زوجها ، ولهـا كل حقوق الزوجية الشرعية وكرامتـها الاجتماعية ، ولهـا مثل ما للزوجة الثانية من حقوق ونفقات .

نحن لا نشك في أن المرأة الكريمة العاقلة تفضل التعـدد على التشرد ، ولهذا رأينا كثيراً من الزوجات العُقَّم يفتشن لأزواجهن عن زوجة أخرى تنجب لهم الأولاد .

2. أن تصـاب الزوجة بمرض  مُزمن أو مُعدٍ أو مُنَفِّر  بحيث لا يستطيع معه الزوج

أن يعاشرها معاشرة الازواج ، فالزوج هنا بين حالتين : إما أن يطلقها وليس في ذلك شيء من الوفاء ولا من المروءة ولا من كرم الأخلاق ، وفيه الضياع والمهانة للمرأة المريضة ، وإما أن يتزوج عليها أخرى ويبقيها في عصمته ، لها حقوقها الزوجية ولها الإنفاق عليها في كل ما تحتاج إليه من دواء وعلاج ، ولا يشك أحـد في أن هذه الحالة الثانية أكرم وأنبل ، وأضمن لسعادة الزوجة المريضة وزوجها على السواء .

3. أن يشتد كره الزوج لها بحيث لم ينفع معه علاج التحكيم والطلاق الأول ، ولا الثاني ، وما بينهما من ( هدنة ) العدة التي تمتد في كل مرة ثلاثة أشهر تقريباً ، وهنا يجد الزوج نفسه أيضاً بين حالتين :         إما أن يطلقها ويتزوج غيرهـا ، وإما أن يبقيها عنده ، لها حقوقها المشروعة كزوجة ، ويتزوج عليها أخرى، ولا شك أيضاً في أن الحالة الثانية أكرم للزوجة الأولى، وأكثر غرماً على الزوج، ودليل على وفائه ونبل خلقه ، وهو في الوقت نفسه أضمن لمصلحة الزوجـة خصوصاً بعـد تقدم السن وإنجاب الأولاد .


4. أن يكون الرجل بحكم عمله كثير الأسفار، وتكون إقامته في غير بلدته تستغرق في بعض الأحيان شهوراً ، وهو لا يستطيع أن ينقل زوجته وأولاده معه كلما سافر، ولا يستطيع أن يعيش وحيداً  في سفره تلك الأيام الطويلة ، وهنا يجد نفسه كرجل بين حالين ، إما أن يفتش عن امرأة يأنس بها عن غير طريق مشروع ، وليس لها حق الزوجة ، ولا لأولادها - الذين قد يأتون نتيجة اتصال الرجل بها -  حقـوق الأولاد الشرعيين ، وإمـا أن يتزوج أخـرى ويقيم معهـا إقامة مشروعة في نظـر الدين والأخلاق والمجتمع ، وأولادها منه أولاد شرعيون يعترف بهم المجتمع، وينشؤون فيه كراماً كبقية المواطنين ، وأعتقد أن المنطق الهادىء والتفكير المتزن ، والحل الواقعي، كل ذلك يفضل التعدد على الحالة الأولى .

5. بقيت حالة أريد أن أكون  فيها صريحاً أيضاً ، وهي أن يكون عنده  من القـوة الجنسية، ما لا يكتفي معه بزوجته، إما لشيخوختها، وإما لكثرة الأيام التي لا تصلح فيها للمعاشرة الجنسية  -  وهي أيام الحيـض والحمل والنفاس والمرض وما أشبهها - وفي هذه الحالة نجد الأولى والأحسن أن يصبر على ما هو فيه ، ولكن : إذا لم يكن له صبر فماذا يفعل ؟ أنغمض أعيننا عن الواقع ، وننكره كما تفعـل النعامة أم نحاول علاجه؟ وبماذا نعالجه ؟ نبيح له الاتصال الجنسي المحرم وفي ذلك إيذاء للمرأة الثانية التي اتصل بها، وضياع لحقوقها وحقوق أطفالها، عدا ما فيه من منافاة لقواعد الدين والأخلاق ؟ أم نبيح له الزواج منها زواجاً شرعياً  تصان فيه كرامتها ، ويعترف لها بحقوقها ، ولأولادهم بنسبهم الشرعي معه ؟

هنا تتدخل مبادىء الأخلاق والحقوق فلا تتردد في تفضيل الحالة الثانية على الأولى

ولا بد لي هنا من ذكر حديث جرى بيني وبين أحد الغربيين يلقي ضـوءاً على هذا الموضوع .

حين سافرت إلى أوروبا في عام 1956 موفداً من جامعة دمشق في رحلةاستطلاعية للجامعات والمكتبات العامة، كان ممن اجتمعت بهم في لندن "       البروفيسور أندرسون "    رئيس قسم قوانين الأحوال الشخصية الشرقية في معهـد الدراسات الشرقية في جامعة لندن ، وجرى بيننا - فيما جرى من الأحاديث - نقاش حول تعدد الزوجات في الإسلام  ، سألني أندرسون : ما رأيك في تعدد الزوجات ؟  قلت له: نظام صالح يفيد المجتمعات في كثير من  الظروف إذا نفذ بشروط !  ، قال: أنت إذاً على رأي محمد عبده بوجوب تقييده ؟

قلت: قريب من رأيه لا تماماً ، فإني  أرى أن يقيد بقدرة  الزوج على الإنفاق على الزوجة الثانية ليمكن تحقيق العدل بين الزوجات كما طلب الإسلام .

قال : وهل مثلك في هذا العصر يدافع عن تعدد الزوجات ؟ ،         قلت :  إني أسألك فأجبني بصراحة من كانت عنده زوجة فمرضت مرضاً معـدياً أو منفـراً لا أمل بالشفاء منه، وهو في مقتبل العمر والشباب فماذا يفعـل ؟ هـل أمامه إلا إحدى ثلاث خطوات : أن يطلقها ، أو يتزوج عليها ، أو أن يخونها ويتصل بغيرها اتصالاً غير مشروع ؟ قال : بل هناك رابعة ، وهي : أن يصبر ويعف نفسه عن  الحرام .

قلت : وهل كل إنسان يستطيع أن يفعل ذلك ؟  قال : نحن المسيحيين نستطيع أن نفعل ذلك بتأثير الإيمان في نفوسنا .     فتبسمت وقلت : أتقول هذا وأنت غربي ؟ أنا أفهم أن يقول هذا القول مسلم أو مسيحي شرقي ، فقد يستطيع أن يكف  نفسه عن الحرام ، لأن محيطه لا يهيئ له وسائل الاختلاط بالمرأة في كل ساعة يشاء وأنى يشاء، ولأن تقاليده وأخلاقه لا تزالان تسيطران على تصرفاته، ولأن الدين لا يزال له تأثير في بلاده، أما أنتم الغربيون الذين لم تتركوا وسيلة للاتصال بالمرأةوالاختلاط بها والتأثير عليها وإغوائها إلا فعلتم، حتى لم تعودوا تستطيعون أن تعيشوا ساعة من نهار أو ليل دون أن تروا المرأة أو تخالطوها ، منذ تغادرون البيت حتى تعودوا إليه ، أنتم الذين يضج مجتمعكم بالأندية والبارات والمراقص ، وتغص شوارعكم بالأولاد غير الشرعيين ...تدّعون أن دينكم يمنعكم من خيانة الزوجة المريضة ؛ وكيف ذلك وخيانات الزوجات الجميلات الصحيحات الشابات تملأ أخبارها  أعمدة  الصحف والكتب ، وتصك الآذان ، وتشغل دوائر القضاء ؟‍‍‍‍ ‍

قال : إنني أخبرك عن نفسي ، فأنا أستطيع أن أضبط نفسي وأصبر ..  قلت     : حسنا ً، فكـم تبلغ نسبة الذين يضبطون أنفسـهم من المسيحيين الغربيين أمثالك بالنسبة إلى الذين لا يصبرون  ؟ قال : لا أنكر أنهم قليلون جداً  .     

قلت : وهل ترى أن التشريع يوضع للقـلة التي يمكن أن تعد بعدد الأصابع ؟ أم للكثرة والجمهرة من الناس ؟ وما فائدة التشريع الذي لا يستطيع تطبيقه إلا أفراد محدودون ؟     فسكت وانتهت المناقشة فيما بيننا. أقول هذا لأبين أن الذين يزعمون بأن الغريزة الجنسية ليست  كل شيء في حياة الإنسان ، وأن هنالك قيماً أثمن وأغلى كالوفاء والصبر يحرص عليها الحر الكريم، وأن تبرير التعدد بالحاجة الجنسية هو هبوط بالإنسان إلى مستوى الحيوان ، هذا الكلام وأمثاله، كلام جميل، وخيال خصب، قيل في ظل غير هذه الحضارة، ومن غير هؤلاء الذين يتكلمون هذا الكـلام    لو قيل من عباد زهّاد تعف ألسنتهم وأقلامهم وأعينهم عما حرّم الله من زينة المرأة ومفاتناها : واهواء الحياة وشهواتها أما من أولئك فلا ، وخير لهـم أن يحترموا واقع الحيـاة التي تعيشها الإنسانية ، ويعالجوا مشاكلها بصراحة الحكيم المجرب ، لا بمراوغة المجادل المكابر .. 

      1 2 3     التالي
 

 

 

نقلا عن موقع الشبكة الإسلامية

نسخة للطباعة